هل تخص المساواة بين الجنسين مسألة المرأة فقط؟ قابل مركز كفينفو أربعة رجال أردنيين يعملون في مجال تعزيز وضع المرأة في القوى العاملة في الأردن، خدمة للمجتمع وقطاعات الأعمال.

حين يفكر محمد عدوان، مدير التطوير في أحد أكبر البنوك الأردنية، البنك الأهلي الأردني، بالدائرة المحيطة به من الأسرة والأصدقاء، فإن من الطبيعي بالنسبة له كرجل أن يدعم مشاركة المرأة في سوق العمل. حيث أن الغالبية العظمى من أفراد أسرته والدائرة المحيطة به من الأصدقاء يعملون خارج المنزل. وتشكل النساء 42% من الموظفين العاملين في البنك الأهلي الأردني.

ومع ذلك فإنه يدرك تماما أنه لا يمثل وجهات النظر التي يحملها الذكر الأردني العادي.

- قد يكون أمرا مثيرا للخلاف بالنسبة لي كرجل أن أدعم تحسين دخول المرأة لسوق العمل. من المؤكد أنك ستجد وجهات نظر متعارضة حول هذا الموضع عبر دول الشرق الأوسط كله. غالبية الناس في الأردن لا تتفق بالضرورة معي- يتطلب تغيير وجهات النظر تغييرا جذريا في العقلية. لكننا نملك القوة والفرصة للتحريض على التغيير لأننا ذكور، كما يبين محمد عدوان 

المساواة بين الجنسين في الأردن

على الرغم من المستوى التعليمي العالي الذي تتمتع به المرأة الأردنية، فإن البلد يحتل أحد أدنى المراتب على مؤشر النوع الاجتماعي العالمي الذي يعده سنويا المنتدى الاقتصادي العالمي. يحتل الأردن المرتبة 134 من مجموع 142 دولة.

تسبق المغرب الأردن بالمرتبة 133. وتحتل تونس ومصر المرتبتين 123 و129 على التوالي. وتسيطر الدول الاسكندينافية الخمسة على المراتب الأعلى في المؤشر، وفي المرتبة الأولى منها أيسلندا، والدنمرك المرتبة الخامسة.

إذا أخذنا المستوى التعليمي وحده، فإن الأردن يحتل مرتبة أعلى من المتوسط، الرقم 70.

إلا أن توزيع الوظائف في البنك الأهلي الأردني الذي تكاد تتساوى فيه أعداد الذكور والإناث لا يمثل البلد كله. حيث تشكل المرأة الأردنية 13% من القوى العاملة على الرغم من المستويات التعليمية العالية نسبيا لديها.

النسبة العالية من النساء من بين 1600 موظف في البنك الأهلي الأردني يعود جزئيا إلى حقيقة أن البنك مكان جذاب للعمل (البنك الأهلي الأردني من أكبر البنوك الأردنية، ولديه فروع في قبرص وفلسطين)، وجزئيا إلى قرار الإدارة الواعية التي تهدف إلى دمج المرأة في العمل.

ومع ذلك، يعتقد محمد عدوان بأنه يتعين على الحكومة، والقطاع الخاص، والمجتمع أن يتعاون بشكل وثيق لضمان مشاركة أكبر للمرأة في القوى العاملة.

لهذا السبب زار محمد عدوان عددا من الشركات الكبرى في الدنمرك مع وفد من الزملاء من شركات القطاع الخاص الكبرى في الأردن للتعرف على طريقة عمل الشركات الدنمركية في مجالات التنوع، والمساواة، والشمول.

أكدت الزيارة وجهة نظره بأن المساواة بين الجنسين تعزز الإنتاجية لصالح الشركات علاوة على المجتمع ككل. 

يجب أن تحصل المرأة والرجل على الفرص نفسها

يشاطر محمد عدوان وجهة النظر هذه زميله سامي جرار، مدير الموارد البشرية في شركة أمنية، الشركة الأردنية الكبرى المزودة للاتصالات الخلوية، والآخذة في التوسع بسرعة.

- لدينا مصلحة مزدوجة في المساواة بين الجنسين. أولا، نحن نعتقد أنه التصرف الصائب الذي يجب القيام به. الجميع – النساء والرجال أيضا- يجب أن يحصلوا على الفرص نفسها في مجال المشاركة الاجتماعية. ثانيا، زيارتنا إلى الدنمرك أكدت لنا أن المساواة بين الجنسين أمر جيد للعمل أيضا. تركيبة أعمالك يجب أن تعكس تنوع المستهلكين أو أنك ستقيد نفسك، حسبما قال.

في أمنية، وهي شركة آخذة في التوسع بسرعة في حقل الابتكار، تركز القيم الأساسية للشركة على تطوير المواهب والمساواة بين الجنسين. تمثل الشركة توجها جديدا في الأردن بعملها على خفض النظرة الذاتية في عملية التوظيف بأن تُخضع جميع المرشحين المهتمين بالعمل لتقييمات معيارية واختبار للقدرات قبل المقابلات.

- نحن نبحث عن مواهب بغض النظر عن النوع الاجتماعي أو الخلفية. ونهدف إلى عملية توظيف موضوعية ونحاول بشكل عام معارضة المديرين حين يرون أن إحدى فرص العمل غير مناسبة للمرأة. فمن يعلم ما إذا كان هناك امرأة تمتلك المؤهلات المناسبة ومستعدة لبذل الجهد اللازم، يقول سامي جرار متسائلا.

في حين أن وجهة نظر سامي جرار المتعلقة بالمساواة بين الجنسين تكاد تكون نادرة في الأردن، إلا أنه يجد أن جهود شركة أمنية تحظى باستقبال جيد بشكل عام. وهو يعتقد أن سياسات الشركات الكبرى المتعلقة بالمساواة بين الجنسين عملية مربحة للجميع. فهي تزيد الإنتاجية وتحسّن بالتالي المحصلة النهائية. يحتاج قطاع تكنولوجيا المعلومات بشكل خاص لمزيد من الموظفات لتعويض هجرة الأدمغة الموهوبة إلى دول الخليج المجاورة سعيا وراء المرتبات المرتفعة فيها. ويرى سامي جرار، أن المرأة تميل لأن تكون موظفة أكثر استقرارا وولاء ومن المستبعد أن تحاول تجربة حظها في العمل في الخارج. 

على الرغم من ذلك، هناك مستويات عالية من تبديل الموظفات لأسباب أخرى. أحد الصعوبات الكبرى أمام المساواة بين الجنسين في الأردن هي حقيقة أن المرأة غالبا ما تعمل لبضع سنوات فقط قبل أن تتزوج وتكوّن أسرة. وبسبب التقاليد الثقافية وصعوبة تحقيق توازن  في الحياة العملية، فإن معظم النساء يتركن سوق العمل بعد الزواج.

يدرك سامي جرار أنه يتعين على سوق العمل إيجاد حلول مرنة لهذه القضية. وثمة مجال لإدخال تحسينات.

 

خسارة المواهب الأنثوية

مركز كفينفو ومركز تطوير الأعمال

ابتداء من العام 2008، تعاون مركز كفينفو مع عدد من الشركاء المحليين في الأردن بهدف زيادة عدد النساء الموظفات في القطاعين العام والخاص. وقد تعاون مركز كفينفو ومركز تطوير الأعمال خلال السنوات الخمس الماضية بهدف تحسين أوضاع العمل في القطاع الخاص في محاولة لزيادة فرص العمل أمام المرأة.

في الفترة ما بين 18- 22 مايو، 2015، زارت مجموعة من مديري الموارد البشرية عددا من الشركات العاملة على تحسين الشمول والتنوع في الدنمرك.

مول الزيارة والشراكة مع مركز تطوير الأعمال برنامج الشراكة الدنمركية- العربية التابع لوزارة الخارجية الدنمركية.

يهز الدكتور عميد عبد النور رأسه موافقا. التبديل الواسع في الموظفات يشكل تحديا لمختبرات بيولاب، مجموعة المختبرات الكبرى التي أسسها ويقوم بإدارتها. القطاع الصيدلاني لديه مجموعة كبيرة من المواهب النسائية. 60% من العاملين في بيولاب من النساء، وتشكل المرأة 48% من الإدارة.

الواقع، حسب قناعة الدكتور عميد عبد النور، أن النساء يعطين نتائج أفضل من زملائهن الذكور. النساء أكثر تركيزا وإخلاصا للوظيفة. على الأقل لحين استجابتهن للمعايير الاجتماعية المتعلقة بالزواج والأسرة. وهو يعبر بذلك عن مشكلة اجتماعية.

- أنا أومن بالمساواة بين الجنسين لسبب بسيط هو أنه من دون مساواة بين الجنسين فإننا نتخلى عن 50% من السكان. وحين ندرب موظفا ويبقى معنا لمدة عامين، نكون قد استثمرنا من الناحيتين الاقتصادية والبشرية. وسواء كانت الجهة المستثمرة هي المجتمع أو قطاع أعمال فلا معنى للتخلي عنهن من دون بذل جهد لحملهن على البقاء، حسب قول الدكتور عميد عبد النور.

وهذا هو السبب أيضا في أن بيولاب أحد أصحاب العمل الذين يستثمرون بكثافة في البنية التحتية بهدف تمكين المرأة من البقاء ضمن القوى العاملة بعد إنجاب أطفال.

- لدينا ساعات عمل مرنة، ومددنا إجازة الأمومة (إجازة الأمومة العادية في الأردن هي 70 يوما تقريبا، المحرر)، وعدلنا ساعات الدوام لمن لديهن أطفال صغار. وندعمهن في تحسين مؤهلاتهن وفي سعيهن لاكتساب مزيد من التعليم. إذا أرادت إحدى الموظفات رفع درجتها العلمية والحصول على شهادة الماجستير فإننا ندعمها. علاوة على ذلك، نقدم للموظفين المعنيين منح بحثية بهدف تحفيزهم على مواصلة العمل معنا. ونحفز الموظفين على توطيد مستواهم التعليمي- بدلا من إضاعته. ونقدم فرصا لمتابعة دورات في الخارج من أجل تعزيز مدخلات جديدة، ونشمل المرأة على المستوى الإداري. وهذه كلها عوامل تساهم في الاحتفاظ بالمرأة في مكان العمل، حسب قول الدكتور عميد عبد النور.

ومع ذلك، يدرك الدكتور عميد عبد النور أن الجهود العظيمة المبذولة لمعالجة الهياكل الاجتماعية الأساسية بتقديم حلول وحوافز عملية لا تزال مقصرة.

ما زالت مختبرات بيولاب تفقد العديد من الموظفات في كل عام. ويخوض الدكتور عبد النور حاليا مفاوضات مع خبيرة في الجينات ذات كفاءة عالية. لم تتمكن من العودة إلى عملها بعد استكمال إجازتها للأمومة لعدم وجود من يعتني بطفلها حيث أن والدتها تعمل أيضا خارج المنزل وهي بالتالي غير قادرة على العناية بالطفل خلال ساعات العمل. لذلك منحت خبيرة الجينات إجازة بدون راتب لمدة عام قبل اتخاذ قرار نهائي يتعلق بوضعها الوظيفي.

الكثيرون من أصحاب العمل لا يمتلكون هذه القدرة على الصبر، إلا أنه بالنسبة للدكتور عبد النور، فإن خبيرة الجينات تشكل استثمارا في المجتمع على مستويات عدة. 

النساء مثلنا تماما

برنامج الشراكة الدنمركية العربية

يمول برنامج كفينفو في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من قبل برنامج الشراكة الدنمركية العربية.

 

 

 

يبرز محي الدين الخطيب، مسؤول الموارد البشرية في المركز العربي للدراسات الهندسية- وهو حقل يسيطر عليه الذكور، أهمية انفتاح المواقع الإدارية في القطاع الخاص أمام المساواة بين الجنسين والعمل بجدية بهدف تحسين إمكانيات المرأة في سوق العمل.

- ينبغي علينا البدء بتغيير طريقة التفكير على المستوى الإداري، بين صناع القرار. 

خلال زيارتنا للدنمرك، شاهدنا كيف أن التوزيع المتساوي للموظفين والموظفات يزيد من الإنتاجية والمبيعات الإجمالية ويقلل من خطر الفساد. وفي حين لا يبدي جميع الرجال في الأردن اهتماما بالمساواة بين الجنسين، فقد شهدنا تأثيراتها الإيجابية. والنساء مثلنا تماما.

لديهن العقلية نفسها والإمكانيات نفسها، كما يبين محي الدين الخطيب