ضعف الآمال الرامية إلى الوصول لمجتمع متكافئ الفرص في أعقاب ثورة 2011 في نظر منظمات حقوق المرأة ومع هذا فإنها لا تزال تأمل بأن تتخذ الأمور منحى أفضل.

لم ترغب نيفين عبيد فهيم لسنوات قد خلت أن تغادر بلدها مصر، ففي وقت الثورة هبت النساء المصريات إلى الشوارع للمساعدة في إعلاء صوت المظاهرات في ميدان التحرير ونشطت في ذلك منظمات حقوق المرأة وحقوق الإنسان مثل مؤسسة المرأة الجديدة حيث تعمل نيفين كمنسقة برامج، وفي هذه المرحلة بدأت الآمال تلوح بالآفاق أمام هذه المنظمات فلم تكن نيفين لتفوت حضور هذه الفرصة.

المرأة في السياسة

عقد مؤتمر ( المرأة في السياسة) في الفترة 3-4 يونيو 2015، ومن خلال التركيز على المشاركة السياسية في الدنمارك وعلى الصعيد الدولي فقد احتفى المؤتمر على الذكرى المئوية لحصول المرأة على حق التصويت في الدنمارك.

لقد تم تنظيم المؤتمر بالمشاركة مع منظمة كفنفو والمعهد الدنماركي للأحزاب والديمقراطية ( DIPD)

الصورة: عزة سليمان ونيفين عبيد فهيم وسلمى النقاش في المؤتمر المنعقد في Eigtveds Pakhus في كوبنهاغن. المصور: جينس جول.

أما اليوم فلم يعد بالها هادئا وأصبحت تواقة إلى مغادرة بلدها ويعتريها خوف جديد من أن تصل المطار ويحجز جواز سفرها أو بكلمات أبلغ جواز حريتها. وهذا الخوف ليس عاريا  عن الصحة؛ إذ أن إحدى الناشطات  الأخريات ممن شاركن مع نيفين عبيد فهيم في مؤتمر كفنفو (المرأة في السياسة) الذي احتفى بالذكرى المئوية لحقوق التصويت للمرأة لم تصل إلى كوبنهاغن لذلك السبب بعينه.

وفي خلال أسبوع عقد المؤتمر اختفت المصورة الصحافية إسراء الطويل والبالغة من العمر 23 عاما في مدينة القاهرة وهي من بين الناشطات – اليافعات- اللواتي اختفين خلال ربيع عام 2015. ومن ثم ظهرت إسراء مرة أخرى محتجزة لدى الشرطة ولا تزال سجينة إلى الآن بالرغم من عدم توجيه تهمة بحقها أو صدور قرار من المحكمة بمقتضى أحكام القانون. وفي 24 يناير 2015 تعرضت شيماء الصباغ الناشطة في حقوق المرأة لإطلاق النار على يد الشرطة خلال تظاهرة سلمية تحتفي بإطلاق شرارة ثورة مصر بتاريخ 25 يناير 2011.

وقد قلت المساحة المتاحة لناشطي مناصرة الديمقراطية في مصر حيث أن النظام الحالي بقيادة عبد الفتاح السيسي معروف بقمع أي شكل من أشكال المقاومة واستهداف ناشطي حقوق المرأة وحقوق الإنسان. 

 

الوضع الراهن في مصر

مصر اليوم هي دولة النظام العسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي وهو الرئيس السابق للقوات المسلحة في مصر.

برزت الأحزاب والمرشحون الإسلاميون بعد ثورة 2011 منتصرين في الانتخابات الرئاسية والانتخابية، وقد أعلنت المحكمة الدستورية العليا في مصر أن الانتخابات البرلمانية لاغية وباطلة وعلقت أعمال البرلمان. وفي عام 2013، قام الجيش تحت قيادة الجنرال عبد الفتاح السيسي بالإطاحة بالرئيس محمد مرسي، الذي تلقى بعد ذلك حكما بالإعدام.

أما في عام 2014 فقد جرى انتخاب عبد الفتاح السيسي رئيسا للبلاد واتسم حكمه بصلابة موقفه ضد أي شكل من أشكال الاحتجاج أو الانتقاد.

وبعد أن تم تأجيل الانتخابات البرلمانية عدة مرات فقد تم تعيينها في خريف 2015، وفي هذا الوقت يمارس الرئيس الصلاحيات التشريعية والتنفيذية.

 تزايد وصمة العار

لقد التقينا مسبقا بكل من نيفين عبيد فهيم من مؤسسة المرأة الجديدة، وعزة سليمان المؤسسة المشاركة لمركز المساندة القانونية بمؤسسة قضايا المرأة المصرية (CEWLA)، وسلمى النقاش من مؤسسة نظرة للدراسات النسوية وهي من بين المنظمات التي تستقطب الناشطات اليافعات في القاهرة.

وقد التقينا في القاهرة في عام 2013 في الوقت الذي كانت فيه منظمات حقوق المرأة مشغولة بتأمين حقوق المرأة في مصر الجديدة. لقد كانت تلك هي اللحظة التي كان الإيمان فيها بالحصول على مستقبل يتساوى فيه الجميع لا يزال موجودا بالرغم من العديد من الانتكاسات التي كانت تحصل.

وعندا أذكر هذه الفترة الزمنية تملأ الضحكات الجوفاء أرجاء الطاولة، فلم يكن من الممكن أن يتواجدن هنا في كوبنهاغن لو أن أرواحهن القتالية قد ذوت ولكنهن مرهقات أيضا وأصبح التحرر من الأوهام الصاحب الملازم لهن على الدوام.

-          إنني قلقة للغاية حيال المحنة التي حلت بالناشطات وكيفية معاملتهن في الأماكن العامة فقد شهدنا مقتل شيماء الصباغ وتداعيات ذلك.. هنالك استراتيجية محددة للغاية تقتضي باستهداف الناشطين في مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة وقد غدت الأماكن العامة غير متاحة لهم على نحو متزايد وفقا لما تقوله سلمى النقاش.

وتوافقها عزة سليمان الرأي قائلة:

-          إننا نشهد تزايدا مستمرا في وصمة العار ففي السنة الماضية صدمت عندما رأيت صورا لي وللعديد من الناشطين والناشطات في الجريدة مع كتابة عنوان منظمتنا كما لو كان ذلك بمثابة دعوة مبطنة للاعتداء علينا  الأمر الذي أخافني ولم أكن أعلم إن كنت سأتعرض للاعتداء وأنا أمشي في الشارع أم في السوبر ماركت.

وبناء على ما سبق فقد تزايد حجم الضغوطات التي يمارسها النظام، وقد كانت عزة سليمان شاهدة عرضية على إطلاق الشرطة النار على شيماء الصباغ في يناير ولكن عندما أرادت أن تقدم شهادتها وجدت نفسها متهمة بالمشاركة في المظاهرات غير المشروعة ولا تزال القضية معلقة للآن. 

مركز المساندة القانونية بمؤسسة قضايا المرأة المصرية

يعتبر مركز المساندة القانونية بمؤسسة قضايا المرأة المصرية (CEWLA) منظمة مصرية غير حكومية تأسست في عام 1995 بهدف الدفاع عن الحقوق الإنسانية للمرأة في المجتمع المصري. ويقدم هذا المركز  المساعدة القانونية للنساء وينظم النواحي التثقيفية حول حقوق المرأة. ومن الناحية السياسية يعمل هذا المركز على المساواة في الجندر مع تركيز أكثر على المساواة القانونية ومكافحة التمييز.

وتعتبر عزة سليمان المؤسسة المشاركة وإحدى أعضاء مجلس إدارة CEWLA ولها باع طويل من العمل في مجال حقوق المرأة بفترة تنوف عن 20 عاما.

دور الإعلام 

تتفق النسوة الثلاث في أن هناك عدة أسباب وراء تعقيد مسألة مشاركة المرأة في الحياة العامة والسياسية. ولا يزال الدستور المصري يفتقر إلى أحكام تخص تساوي فرص المرأة في الحياة السياسية، أي بكلمات أخرى وجود كوتا نسائية لطالما طال انتظارها بالنسبة للمرشحات الانتخابية تشبه تلك المنصوص عليها في قانون الانتخابات التونسي. وفضلا عن هذا، تواجه النساء – اللواتي يفتقرن إلى الموارد المالية وإلى إمكانية الوصول إلى الرعاة والمانحين كما هو متاح للمرشحين من الرجال- صعوبة في تمويل حملاتهن الانتخابية.

وتتعاون المنظمات الثلاث مع كفنفو في مشاريع لتحسين مشاركة المرأة السياسية من خلال التعليم وبناء القدرات والتوجيه والإرشاد.

وتعاني النساء في الأساس من وجود عوائق هيكلية أمام مشاركتهن حيث ساهم العنف الجنسي في الأماكن العامة والذي شوهد في المظاهرات العامة في ميدان التحرير ووصمة العار التي ارتبطت بمن شاركن في الحياة العامة في فرض قيود على المشاركة السياسية للمرأة.  

مؤسسة المرأة الجديدة

تعتبر مؤسسة  المرأة الجديدة NWF منظمة مصرية غير حكومية مناصرة لقضايا المرأة وبدأت عملها في عام 1984  كحلقة دراسية للنساء المنخرطات في المواضيع ذات الصلة بالديمقراطية وعدم العدالة الاجتماعية. وقد طورت الحلقة تنظيمها الحالي بحيث تنادي بالمساواة الاجتماعية للمرأة على كافة الأصعدة المجتمعية.

وتعتبر نيفين عبيد فهيم منسقة برامج وعضوة في مجلس إدارة مؤسسة المرأة الجديدة، وتعمل على تنسيق البرامج للمؤسسة في مجال المشاركة السياسية للمرأة.

 

  تقول سلمى النقاش أن مستوى العنف وبخاصة العنف الجنسي في الأماكن العامة يحد من إمكانية وصول المرأة إلى الحياة العامة، وهذا العائق يجسد نفسه في أشكال عديدة من المشاركة العامة مثل الأحزاب السياسية ووجود مرشحات ومصوتات في العملية الانتخابية- فغدت كل هذه الأشكال بمثابة تحدٍ أمام النساء.

كما تصف عزة سليمان التمثيل الإعلامي للنساء اللواتي – بالرغم من التحديات- قررن أن يتخذن موقفا سياسيا من خلال توظيف رسوم كرتونية خبيثة. ووصفت النساء بأنهن ساذجات ويفتقرن إلى الناحية القيادية. وقد وصفن من ناحية جنسية وفضحن واتهمن بأنهن مبتذلات.

ووفقا لنيفين عبيد فهيم فإن هذه التمثيلات الإعلامية تصعب علينا رؤية حجم التحديات الحقيقية. وتقول في ذلك :  ينقاد الإعلام وراء قصة لا تخدم ناشطي حقوق الإنسان أو من يدافع عن حقوق المرأة، ولا يسمع فيها صوت المناصرين للتغيير، ولو وقف أحدنا – أو أي من ناشطي حقوق الإنسان الآخرين- في ميدان الانتخابات فسيهاجمنا الإعلام. وسوف يتم تخوين كل امرأة برلمانية وسوف يهاجمها الإعلام لعدم وفائها للقيم الوطنية، وبهذه الطريقة يرفض الإعلام العملية الديمقراطية برمتها، فلا هو مهتم بالتنوع ولا بالتغيير.

كما يصعب الوضع الراهن للإعلام على الحركات القائمة أن تحقق الدعم الشعبي أو تحافظ عليه.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                  

نظرة للدراسات النسوية

تعتبر نظرة Nazra إحدى المنظمات المناصرة للحركة النسوية في مصر وهي تؤمن بأن الجندر يلعب دورا مهما في السياقين السياسي والاجتماعي وبهذا تسوق المنظمة لتعميم مراعاة المنظور الجنساني في هذه السياقات. وقد أطلقت نظرة أكاديمية المشاركة السياسية للنساء في عام 2011.

وتعتبر سلمى النقاش مديرة برامج أكاديمية المشاركة السياسية للنساء.

 
استمرار التفاؤل

كم هو سهل أن نفهم مقدار الإرهاق وكم هو صعب أن نجد أي أفعال تحققت.

هل فقدت الإيمان بإحداث التغيير؟

-          تجيب نيفين عبيد فهيم: لا أستطيع أن أفقد الإيمان بإحداث التغيير من منظوري الخاص، لا أشعر بأنني أملك الخيار. وعلي أن أعيش في هذا البلد، ولكن المشكلة أننا قد وصلنا إلى مرحلة بعيدة كل البعد عما توقعنا، فقد حاربنا الإخوان المسلمين وأردنا الحصول على الدولة الديمقراطية، ولكننا الآن بلا أي خيار يرجى، فليس لدينا معارضة موحدة من شأنها أن تقدم موقفا بديلا عن النظام التقليدي والإسلاميين. ولذلك يمكن مقارنة الوضع بشخص يسبح بين شاطئين دون أن يتمكن من الوصول إلى بر الأمان.

وبصرف النظر عن الوضع الراهن إلا أن الناشطات الثلاث يتشاركن في الإبقاء على روح التفاؤل، ولا يمكن أن يسوء الموقف أكثر من هذا، أو ربما قد يسوء، ولكن من الناحية النظرية قد تمر مصر بعملية تطرفية للمتشديين تشابه تلك التي حصلت في ليبيا. ومن شأن رد الفعل العنيف الديني أن يعمق من ضعف النساء والأقليات. ولكن تبقى الناشطات متمسكات ببصيص أمل بحتمية تحقق مستقبل إصلاحي في مصر.

-          تقول سلمى النقاش: هناك شعور بالوهن على نحو قطعي بين أفراد الشعب المصري. ولن  يهتم الشعب بالانتخابات القادمة أو بأي شكل من أشكال الدعم للأحزاب السياسية، ولكنه يريد بشكل عام الاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي. أما في اللحظة الراهنة لا يمكنني أن أكون متفائلة على وجه الخصوص حيال الأماكن العامة في مصر ولا يمكن الإبقاء على الظرف الراهن كما هو؛ ولذلك فإنني أعتقد أننا سنشهد بعض التحديات في المستقبل. كما أننا سنشهد تحقق عملية ديمقراطية وإصلاحات سياسية. ويمكننا حاليا أن نعمل ضمن مضمار الإصلاحات القانونية. ويمكننا الضغط من أجل إنفاذ المزيد من الإصلاحات السياسية.

وتؤكد عزة سليمان على الطبيعة الأساسية للدعم الدولي للعمليات المستمرة من حيث التجديد – على الأقل فيما يخص المرأة. كما أنها تشجعت لحصول الحركات الاجتماعية الجديدة والتي أتاحت للشباب غير المستعدين لبذل التنازلات فيما يخص عملهم بإحداث التغييرات الاجتماعية الإيجابية.

   تقول عزة سليمان لقد أصبح وضع المرأة في مصر أسوأ، فمن جهة تحدت الثورة العديد من المحظورات الاجتماعية حيث قررت الكثير من النساء والفتيات عدم ارتداء الحجاب، وأنا لست ضد أو مع ارتداء الحجاب ولكنني رأيت العديد من النساء وهن يتخذن قرارهن المستقل بخصوص حياتهن عوضا عن الانصياع إلى القوانين المفروضة عليهن من قبل المجتمع والثقافة والعائلة. إننا الآن نواجه جيلا جديدا ومذهلا من النساء، واللواتي لا يمكن وصفهن بأنهن خائفات كما أنني خائفة، بل إنهن لا يخفن مثل زميلتي سلمى، وهن لسن مهتمات بالتنازل بل إنهن يجرؤن على الحديث حتى عن حقوق المثليين وهو أمر لم نكن لنفكر أنه مطروح لأجيال عديدة. كما تشير عزة سليمان أن الثورة بعيدة كل البعد عن الانتهاء لأنها عملية مستمرة .

برنامج الشراكة الدنمركية العربية

يمول برنامج كفينفو في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من قبل برنامج الشراكة الدنمركية العربية.

 

 

 

-إننا لسنا بحاجة إلى ثورة جديدة، فثورتنا بدأت بتاريخ 2011 ولا نزال هنا، والوضع يتحسن ويسوء، ولكن يجب علينا أن نواصل البحث عن البدائل