قدم مؤتمر، "دعم السلام بين الجنسين في زمن الحرب"، العديد من الأبحاث الجديدة حول دور النوع الاجتماعي في عمليات السلم والحرب. تكتب كوني كارو كريستيانسن من بيروت تقارير عن مناقشات الباحثات والباحثين والناشطين حول مسائل متنوعة من مثل المليشيا النسائية، والجهاديّات ، والانتحاريين، علاوة على الأبطال والضحايا إبّان ثورات 2011 في الشرق الأوسط.

التقت مجموعة من الباحثين والناشطين في مؤتمر، "دعم للسلام بين الجنسين في زمن الحرب"، الذي عقد في بيروت بهدف مناقشة الطرق التي تُنتَهك فيها أجساد النساء والرجال، وكذا تلك التي تُستَغَلّ، وتستخدم كرموز، وكيف تتحول خلال فترات الحرب والنزاعات المسلحة. ثمة ثروة هائلة من البحوث الجديدة والأمثلة الواقعية عن الدور الذي يلعبه النوع الاجتماعي في العمليات الحربية وكذا في  السِّلم.

خطط معهد الدراسات النسائية في العالم العربي التابع للجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت للمؤتمر بالتعاون مع منظمة "نساء في الحرب" في باريس. وكان مركز كفينفو أحد داعمي المؤتمر من خلال منحة من برنامج الشراكة الدنماركية العربية.

عن المؤتمر

عقد مؤتمر "دعم السلام بين الجنسين في زمن الحرب" في بيروت خلال الفترة من 8 إلى 11 يونيو 2015.

وقد جمع المؤتمر تشكيلة من الباحثات والباحثين والناشطين الذين ناقشوا دور وأوضاع النساء اللواتي أثناء النزاعات إبّان  ثورات 2011 التي هزّت  الشرق الأوسط.

قام بالتخطيط والإعداد للمؤتمر "معهد الدراسات النسائية في العالم العربي" التابع للجامعة اللبنانية الأميركية. والذي يعتبر أحد المعاهد الرائدة في دراسة النوع الاجتماعي في الشرق الأوسط، وقد دعم مركز كفينفو أجزاءً كثيرة من أنشطته على مدى سنوات عدة من خلال منح من برنامج الشراكة الدنماركية العربية برعاية وزارة الخارجية الدنماركية

الصور النمطية للنوع الاجتماعي والحرب

الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) والمقاتلون الأكراد- سواء  الذكور والإناث- على بُعد كيلومترات قليلة  من بيروت، مقرّ عقد المؤتمر.... التطرف الديني، كما بدا جليّا خلال المؤتمر، صديق حميم للصور النمطية المتعلقة بالنوع الاجتماعي.

تؤكد داعش ذكورية محاربيها عن طريق الإساءة للأطفال والنساء اليزيديات، اللاتي يجري الاحتفاظ بهنّ كجواري أو يخضعن للاغتصاب. الديانة اليزيدية التوفيقية غير معترف بها من قبل دولة داعش. ووفقا لهذه الدولة فإن المعاملة السيئة المذكورة يُبيحها الإسلام.

ما يثير الدهشة في أوروبا، أن الالتحاق بصفوف داعش لا يقتصر على الرجال وحسب بل والنساء أيضا وبشكل خاص الفرنسيات من خلال عروض زواج على الإنترنت. "جهاد" هؤلاء النسوة لا يتمثل في المشاركة في المعارك المسلحة بل في أشكال مختلفة من الدعم لهذه "الدولة".

وفي مواجهة داعش يقف المستقلون الأكراد ، الذين بنوا مجتمعا جديدا بالكامل اعتمد على بيان رسمي، يدعى "الجينولوجي"، أعده عبد الله  أوجلان، زعيم الأكراد. ووفق هذا البيان تشارك المرأة في المجتمع على كافة المستويات - بما في ذلك المعارك. ومن الواضح أن هذا يمثل تحديا للمقاتلين الذكور المنتسبين لداعش الذين تربوا على ثقافة المعايير المحافظة بالنسبة للعلاقة بين الجنسين. لذلك فإن العنف بين الأكراد وداعش يذهب لما هو أبعد من الصراع على الأرض والسيادة حيث يشكل تعارض الأيديولوجيات المتعلقة بالنوع الاجتماعي عاملا مباشرا في الصراع.

النساء الانتحاريات لسن ظاهرة تقتصر على الإسلاميين. هنا، تحول النساء شعورهن بالعجز إلى بادرة رومانسية، وهو شيء يحظى بإعجاب بعض المسلمين الشيعة والسنة، وكذا المسيحيين، والدروز، بأعداد متساوية، لكنه أصبح أيضا إحدى سمات الكفاح الوطني. حيث تحظى المرأة الانتحارية برصيد رمزي أكبر من نظيرها الرجل، كما بين لنا خلال المؤتمر، جوزيف الآغا، من جامعة هايكازيان اللبنانية.

وحتى من دون "دعم" ديني، فإن الصور النمطية والأيديولوجيات المتعلقة بالجنسين تعتبر محورية في إثارة الحرب. ثمة رمزية ثقيلة وملموسة جدا عند المساواة بين جسد المرأة وأرض العدو، الجاهزة للاستيلاء عليها من خلال الاغتصاب. الشائعات التي تتحدث عن أسيرات تعرضن للاغتصاب من قبل العدو قد تشحذ الروح القتالية وهي ليست بأي حال ظاهرة فريدة تقتصر على الشرق الأوسط. اغتصاب النساء والرجال هو إحدى نتائج الحرب، كما شهدت أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، وخلال حرب البوسنة والهرسك من 1992- 1995، حيث كان الاغتصاب طريقة لتعزيز المجهود الحربي وزيادته

 

عن الكاتبة

تعمل كوني كارو كريستيانسن كباحثة ومستشارة للبرنامج في مركز كفينفو وقامت بتمثيل المركز  في المؤتمر.

الصورة: المغنية والراقصة الكردية، هيلي لوف، في زيارة لمقاتلي البيشمركة  في مسعى لرفع الروح المعنوية. الصورة من وكيميديا كومنز.

الحركة النسوية والوطنية: شراكة غامضة

يتم تجاهل النساء اللاتي يقاتلن إلى جانب الرجال من أبناء شعبهن ويتفوقن عليهم في المعارك، كما تشير حالة النساء الأرمينيات خلال الصراع من أجل الكرباخ (المنطقة المتنازع عليها بين أرمينيا وأذربيجان) والمقاتلات الكرديات من حزب العمال الكردستاني، أو في أفضل الأحوال يتم عرض ذلك  كاستثناء للقاعدة بعد انتهاء الحرب.

بينت حالات عدة عرضت في المؤتمر بأن الأمر ليس مجرد مسألة نساء يجلبن السلام ورجال يثرن الحرب. وهذا أمر أبرزته، من ضمن آخرين، الباحثة والناشطة الفلسطينية رباب إبراهيم عبد الهادي. حيث عرضت، خلال المؤتمر، صورا من مواقع التواصل الاجتماعي تظهر نساء إسرائيليات في أوضاع جنسية مثيرة هدفها رفع الروح المعنوية للجيش الإسرائيلي خلال الهجوم على غزة في 2014. كما عرضت صورة لمجندة إسرائيلية مرتدية بزتها العسكرية إلى جانب أسرى فلسطينيين معصوبي العيون ومقيدي الأيدي.

أوضح المؤتمر كيف أن هيئات النوع الاجتماعي تكون مشاركا نشطا أيضا بعد انتهاء النزاعات، خلال العملية التي تلتئم فيها جراح الحرب، الأطراف المتنازعة تتصالح، والضحايا يسعون للتعويض

ولكن الطريق المتعرج نحو السلام- أو مزيد من السلام- يختلف بالنسبة للرجال والنساء، وتجد المرأة صعوبة في القيام بدور نشط.

فبعد الثورة الشعبية في مصر، ظهرت صورة لإحدى الضحايا- أو كما يطلق عليها محليا، "الشهيدة"- كانت قد هُوجمت وقُتلت وهي في طريقها إلى ميدان التحرير، في البدء من دون ارتداء الحجاب وسط ضحايا من الذكور. في الصور اللاحقة ظهرت ترتدي الحجاب، أو صورت وسط الضحايا الآخرين بغشاء ضبابي على وجهها.

لذا تشكل كل من الحركة الوطنية والحركة النسوية شراكة غامضة تقوم فيها الحركة النسوية، من جهة، بتغذية وتعزيز قيام الدول الوطنية، ومن جهة أخرى، تشكل تحديا للوطنية، مثال ذلك، حين يتبين أن المقاتلات من النساء أكثر شجاعة أو ثباتا من أقرانهن الذكور.

الحرب والرجولة المفرطة

التحديات التي تواجه التصوير النمطي للذكورة، أو فرط الرجولة، هي قاسم مشترك للتحليلات ووجهات النظر المتعلقة بالنوع الاجتماعي المتعلُق بالحرب التي طُرحت في المؤتمر.

جرحت كبرياء الذكور، حين قام عدد من النساء بعرض فضائل ذكورية مثل حمل السلاح ومواجهة العدو إلى جانب الرجال- وفي بعض الأحيان في مواقع متقدمة عنهم- متحديات بذلك الحكم السلطوي في معسكرهن وكذا معسكر العدو.