قبل تسعة أشهر، كُنتُ قد بلغتُ سِنَّ الثامنة عشرة، وبذلك حصلت على حق التصويت في الانتخابات البرلمانية . والحقيقة هي، أنّ المرأة حصلت على حق التصويت قبل عقود من ولادتي- فاليوم، هو ذكرى مرور 100 عام على ذلك التاريخ. ا( 5 يونيو 2015،) وهو عيد ال الدستور.

 

شروق الشمس والمطالبة بحق اقتراع المرأة

الساعة الآن التاسعة والنصف وهناك مطالبات بحق اقتراع المرأة في القطار. أفكر، أنه لا بد أنهن يشعرن بالحرارة - بارتداء ملابس طويلة سوداء (وبيضاء) في يوم تسطع أشعة الشمس فيه بقوة. إلا أن قطار أفكاري هذا سرعان ما تبدل بشعورٍ بالاحترام. وكم كانت الأجواء باردة بالنسبة لهؤلاء النسوة اللاتي بذلن مثل هذا الجهد في هذا اليوم. سألت إن كان في وسعي التقاط صورة لهن، رددن مبتسمات: "نعم، بالطبع!" تبادلنا الحديث لوهلة قبل النزول من القطار في محطة أوستربورت. ولم يتكن النساء الوحيدات اللاتي حضرن بملابس مُقنّعة وجميلة اليوم- فقد كان هناك العديد من الناس الودودين والمستعدّين للحديث عن هذا الموضوع أيضا.

   اليوم، شهدت إحساسا هائلا بالترابط الاجتماعي، لم أشهده من قبل، أنا أسير عبر شارع كروننجن المواجه للقلعة، بصحبة نساء ورجال من مختلف الأعمار يشاركون في الاحتفال بموكب يوم عيد الدستور. كان الكثيرون منهم يرتدون أزياء تاريخية، ومعظم النساء يرتدين ملابس بيضاء. بدا الأمر وكأن الطقس كان مريعا للغاية هذه السنة كي تسطع الشمس فيه بهذه القوة اليوم. أتخيل أصداء العام 1915: يوم كتبت جدتي، وعمرها في ذلك الحين 23 سنة عن الموكب، واصفةً الطقس المشمس بأنه "بشارة خير". 

ثَمَّةَ شيء في الأجواء فبينما نحن ننتظر انطلاق الموكب باجات سياسية تُباع وتُوَزّع، وأناس يتحدثون ويضحكون. ثَمَّة إحساس واضح بالترابط الاجتماعي: تجمّعنا هنا  كي نحتفل معاً وجميعا بالذكرى المئوية. تحدَّثتُ إلى امرأة أحضرت ابنتها معها- كانتا متشحتان بثياب بيضاء، وقد وقفتا متأهبتين لقيادة موكب اليوم مع الجمعية الدنماركية للمرأة. اليوم، كم كانَ سهلاً لي التحدث إلى الآخرين. فأنا  اعتدت على رؤية الجميع في كوبنهاجن وهم يضعون السماعات على أذانهم، ويحدقون في الأرض، منغلقين على أنفسهم.  

إتّخِذوا موقفاً من أجل المساواة!

انطلق الموكب، وفي مقدمته مجموعة جميلة من الجمعية الدنماركية للمرأة، ارتدين جميعهن ملابس بيضاء وأوشحة قرمزية، مثل ملابس العام 1915. مشاعر الفرح تعم الجميع، فيما عدا سائق واحد علق وسط زحمة المشاة، غير قادر على تجاوزنا بسيارته. وقد تجاهلناه جميعا.

كوبنهاجن لم تكن قط جميلة كما هي اليوم، ونحن نسير عبر المدينة، مشاركين الجميع جلال المناسبة. خلال الأسابيع القليلة الماضية، كنت اعتبر نجاح المرشحات المعلن عنهن في العديد من الملصقات الانتخابية أمرا مفروغا منه. اليوم تضاعف يقيني. هناك سميرة ناوا، وسيسه ماري ويلنج، وجوزفين كوفويد. كما أرى إيدا آوكِن في كل مكان. وفوق ذلك، هناك رئيسة الوزراء- أول دنماركية تتولى منصب رئيسة وزراء.  

المجموعات الكبيرة مثل مركز كفينفو و"المجلس النسائي" كانت حاضرة هنا. كذلك العدد الهائل من الجماعات الأخرى. هناك لافتات من مجموعات تمثل المِثليّات  والمثليين، وثنائيي الجنس، والمتحولين جنسيا، ومن "أمهات الجوار"، وشبكات الحركة العمالية التي تروج للمساواة العِرقيّة، وجماعات أخرى كثيرة. كما حضر سياسيون وسياسيّات من جميع الأحزاب، وكان من السهل تمييزهم بين الحشود: من حزب الشعب الاشتراكي، وحزب البديل، وتحالف الحمر- الخضر، والحزب الليبرالي الاشتراكي. كانوا جميعا حاضرين: نساء من كافة المشارب- وعدد غير قليل من الرجال- راحوا يهتفون بينما الموكب ينساب مارا بهم، والابتسامة تعلو وجوه الجميع،. إنها مناسبة احتفالية.    

بالطبع لم تسر الأمور على النحو الأمثل طيلة الوقت. فقد قابلنا لافتة من مجموعة "بيت المرأة. تقول : "نحن لم نحصل على الأصوات- نحن انتزعناها!" لتذكيرنا بالصراع الذي دام 30 سنة لدمج المرأة في الديمقراطية التمثيلية. وجاء في لافتة أخرى، "لا حركة نسائية من دون مكافحة العنصرية!"وكانت النساء اللاتي رفعن  اللافتة  ترقص وتُغنّي. وفكّرتُ بأن علينا أن نُبقي هذا نصب أعيننا: فمن المستحيل فصل صراع عن آخر. نحن نكافح من أجل النساء من جميع الثقافات والأديان فعدم المساواة بين الجنسين يرتبط ارتباطا جوهريا بالعديد من الأشكال الأخرى لعدم المساواة.  حقيقة من السهل نسيانها في يوم احتفالي كمثل هذا اليوم

المهرجان

حين وصلنا إلى الساحة الكبرى المقابلة للبرلمان، اكتسب الموكب مظهرا مهيبا. كانت الأعلام تخفق مع الريح تحت قبة السماء الزرقاء. ومع اقترابنا من الساحة الكبرى، بدأنا نسمع صوت موسيقى، أخذ يرتفع أكثر فأكثر. ثمة مزاج جَدّيّ  يتناسبُ وهيبة  المناسبة. وقد كانت النساء اللاتي على رأس الموكب  يسرن ببطء وانسجام بأثوابهن البيضاء ما جعلني أرتجف.

تناهى إلى مسمعي حديث بعض السائحين. "ما هذا؟ مهرجان؟" كان أحدهم يسأل الآخر. كنت أضحك، وأتمنى أن يفهموا معنى الموكب. وكنت أتمنى أن يفهم الجميع معنى السنوات المائة الماضية- وأنه كان صراعا يستحق أن يُخاض. وأنّ الصراع لم يكتمل بعد

 

مناسبة احتفالية للديمقراطية

اجتاز الموكب الساحة الكبرى، ودخل ساحة البرلمان. وحين دَفَعتُ  بنفسي بين الحشد، علقت في مشكلتي الأبديّة: وهي أنني لا أزال في مثل طول قامتي حين كان عمري 12 سنة. لا بأس: المرأة التي كانت تقف أمامي أخبرتني عمّن يقف على المنصّة

ألقت ليزا هولم-فيورد من الجمعية الدنماركية للمرأة خطابا، وألقت الملكة مارجريث خطابا، وكذلك فعلت موجينز لايكتوفت (رئيسة البرلمان الدنماركي) . كانت أصوات تصفيق الحضور ترتفع عاليا كل خمس ثوان- خاصة حين قالت هولم-فيورد: "إن الموقف الأسوأ الذي نتخذه ليس عدم الاكتراث". من الواضح أن الأمر لن يكون ممتعا لو قال أحدهم شيئا بهذا الشأن في تلك الأيام، أما اليوم فإننا نضحك لأنه حدث قبل زمن بعيد. الضحك جيد: حين يشير إلى سخافة التمييز على أساس الجنس.

لايكتوفت وصف المهرجان بأنه "مناسبة احتفالية للديمقراطية"، وانطلق الحفل من جوار البرلمان إلى حديقة المكتبة الملكية. وكان هناك حفل آخر في الساحة الكبرى- مهرجان "التشويه" ( distortion) (الاحتفال السنوي الصاخب الذي يجري في شوارع كوبنهاجن) كان قد بدأ قبل الظهر. من الممتع مشاهدة الصدام بين احتفالين: العصري والتاريخي. وقد كان الجميع سعداء ومحتفلين

 

الصراع من أجل المساواة بين الجنسين ومصروف الجيب

كان هناك موسيقى ومثلجات. في حديقة المكتبة الملكية كان هناك خطابات- "كاريوكي". وقد قالوا لي بأنهم سوف يكافئونني بجرعة من مشروب دنماركي قديم وُمرّ إذا قرأتُ مقطعا من خطاب إيما واتسون "هو لأجلها" في الأمم المتحدة. ورغم أنني أعاني حالة سيئة من الخوف من إلقاء الخطابات من على المنصّة، لكنني  توصّلتُ إلى أنه لن يكون من السئ  جدا أن أتظاهر – ولو لمدة ثلاثين ثانية- بأنني "داعية الشأن العام النسائية"(feminist). وقد شعرت بالفخر لأنني قمت بذلك، إلى الوقت الذي قامت فيه فتيات شابات بخلع قمصانهن لإلقاء خطبة "بوسي ريوت" (الشغب الأنثوي)، تأييداً للفتيات الروسيّات اللاتي طالبن بحقوقهن في روسيا، وقد جعلني ذلك أن أشعر بأنني أقل شأنا منهن.

تعرضت ثقتي بنفسي لضربة أخرى حين حاولت صنع قارب ورقي في كشك مركز كفينفو. كان كل شيء يسير بشكل جيد إلى أن تحول مثلثي فجأة إلى مربع. ألقيت أكثر من بضع نظرات على صبي صغير انتهى من صنع قاربه خلال عشر ثوان. فقط ، وقد كان هناك عدد غير قليل من الصبيان يصنعون قوارب ورقية مزخرفة بأمانيهم للمساواة. ما حملني على التفكير أنّ مناصري ومناصرات الحقوق المتساوية قد بدأوا بالفعل عملهم الجادّ منذ الآن .

استرقت النظر إلى أحد القوارب وابتسمت حين قرأت: "يجب أن يحصل الصبيان والفتيات على مصروف جيب متساو!" إنه لأمر جيد التنبّه المبكر لعدم المساواة في المصروف.

كتبت أمنيتي الخاصة في المساواة على قاربي الورقي الفاشل ومضيت. استمعُ إلى الخطب وحديث الناس، وكانت قد لسعتني أشعة الشمس في ذلك اليوم المشمس وال جميل. 

نوع اجتماعي على الرصيف

الساعة الآن الرابعة، وبدأ الناس يتباطؤون. وكنّا قد تجمّعنا على الرصيف أمام مبنى كفينفو للمشاركة بمناسبة "نوع اجتماعي على الرصيف". فرقة "نحن في البحر" تعزف: وأناس يشربون البيرة والكولا والمياه الباردة، والتحيات والهتافات تتطاير في الجو. والمزاج رائق. 

تنبّه  الناس حين صعدت نينا جروس  (مديرة كفينفو) إلى المنصة. والتففنا  حولها، ورفع الكثيرون  هواتفهم الذكية لالتقاط الصور. وكانت قد تحدّثَت عن المبررات التي أثيرت ضد حق المرأة في التصويت عام 1915- مثل أن المرأة لا تمتلك القدرة العقلية المطلوبة لفهم السياسة. ضحك الجميع. لكن وكما بيّنَت نينا، فإن هذه الحجة لا تزال رائجة اليوم. ليس في السياسة، بل في حقول كثيرة أخرى: مثل الأدب، والعلوم، الخ. المرأة تتقاضى أجرا أقل من الرجل، وفي مجال العمل لا تتمثل المرأة بالتساوي مع الرجل في المراتب العليا من المجتمع

إنه يوم من الحنين للماضي. فالجميع يتحدثون عن الصراع من أجل حق المرأة في التصويت. والاستماع للأحاديث عن تاريخ الصراع من أجل المساواة بين الجنسين تجربة شاقة. تترك لدى المرء انطباعا بأن عليه أن يلتفت إلى الوراء وأن يكون شاكرا لما حصلنا عليه. ولأننا الآن أفضل بما لا يقاس عما كانت عليه المرأة التي كافحت هي وزميلاتها قبل قرن مضى. لكن ألا ندين لهن بمواصلة الكفاح باستخدام النفوذ الذي أسبغ علينا بفضلهن؟

في خطابها، قالت نينا جروس : "للصراع من أجل المساواة بين الجنسين مستقبل". كدت أصرخ قائلة نعم!

الكفاح لم يكن سهلا في ذلك الحين، وكسب المعركة لم يكن قد تحقق بعد، لكن من المدهش جدا أن يكون المرء جزءا من هذا الكفاح - خاصة في يوم مثل هذا اليوم حيث الأجواء تعبق بالتضامن، يوم يميل الجميع فيه للحديث والنقاش وتبادل الأفكار ، وترتسم على وجوه الجميع  علامات الفخر.... لقد فعلنا ذلك معا.

 

لا تزال هناك أمور تستحق القتال من أجلها

في عيد ميلاد أمي الثامنة عشرة، أخبرتها جدتي أن تصوت للمرأة. لأنه كان هناك على الدوام نساء مؤهلات،. ولأنه كان ضروريا. وفي حين أنه لم يعد من الضروري التصويت للمرأة، فما زال أمامنا طريق طويل نقطعه. لم أقرر بعد ما إذا كنت سأصوت لرجل أو امرأة. لكنني سأصوت بالفعل لمدافع عن حقوق المرأة.    

تلقيت رسالة نصية من جدتي في الأمسية التي تلت احتفال الذكرى المئوية: "مرحبا أّنّا. آمل أن تكوني قد قضيت يوما جميلا. ما زال هناك الكثير مما يستحق الكفاح من أجله:->". حين أفكر في النساء اللاتي كافحن من أجل حق المرأة في التصويت ينتابني شعور عارم  بالاحترام. أحترم المرأة الأولى التي دخلت معترك السياسة. كما أحترم جميع النساء "العاديات": جميع النساء اللاتي استخدمن حقهن في التصويت منذ العام 1915- بغض النظر عن توجههن السياسي. وحين أضع أول شارة x لي على ورقة الاقتراع فسوف أتذكر العديد من النساء اللاتي كافحن من أجل حقوقي قبل 100 سنة- وينبغي علي أن أتذكر بأنه ما زال هناك أمور تستحق الكفاح من أجلها.  

انتهى اليوم بإطلاق قواربنا الورقية. وقد كتبت على قاربي: "أتمنى ألا يشعر أي إنسان أنه مقيد بسبب جنسه سواء في البيت أو في مكان العمل". كانت القوارب تبتعد كثيرا قبل أن تغرق.  وقد أخبرتني فتاة صغيرة  بأن القوارب تتسابق لتغرق أولا. ثم تلتهمها أسماك قرش صغيرة في المياه الدنماركية. حسنا إذن، بِتُّ مقتنعةً أن أمنياتنا ستذهب لمسافات أبعد من قواربنا الورقية. ونحن مستعدات لمواصلة كفاحنا غدا، كل بطريقته الخاصة، معا.