تحظى النساء الأردنيات بقدر جيد من التعليم ولكن تصل أقل من 14 بالمائة منهن إلى سوق العمل الرسمي. ولهذا فقد زار وفد أردني من مدراء الموارد البشرية الدنمارك لاستلهام بعض الأفكار بغية حل إشكالية المساواة بين الجنسين في سوق العمل.

عن الزيارة

تعاونت منظمة كفنفو في مطلع العام 2008 مع عدد من الشركاء المحليين في الأردن لزيادة عدد النساء الموظفات في القطاعين العام والخاص. كما تعاونت كفنفو مع مركز تطوير الأعمال في عمان على مدار السنوات الخمس الماضية مع التركيز على تطوير بيئة العمل في القطاع الخاص بهدف زيادة معدلات توظيف النساء.

 وقد زار وفد من مدراء الموارد البشرية الأردنيين في الفترة 18-22 مايو 2015 عددا من الأعمال التي انخرطت في أنشطة الاندماج والتنوع.

وقد تم تمويل هذه الزيارة من قبل برنامج الشراكة الدنماركية العربية     The Danish-Arab Partnership Programmeتحت إشراف وزارة الشؤون الخارجية الدنماركية.

صورة الزيارة إلى شركة آرلا للألبان، Bislev، الدنمارك،  بواسطة جانيت كنودسن

 

والقاهرة، ولها في ذلك باع يمتد على مدار 25 عاما من إدارة الموارد البشرية في الأمم المتحدة وفي القطاع الفندقي . وفي خلال مشوار حياتها المهني رزقت ديما برقاوي بطفلين وتطلقت  مرة واحدة وتزوجت مرة أخرى مجددا وكل هذا بالتزامن مع ارتقائها للمناصب العليا الواحد تلو الآخر في مجال عملها. ولم تتقاعد ديما في أي وقت من الأوقات من العمل خارج البيت بالرغم من أن خروج المرأة من القوة العاملة يمثل إحدى التحديات الرئيسية الجاثمة أمام المساواة بين الجنسين في القوة العاملة الأردنية. وفي حين أن المرأة الأردنية على قدر جيد من التعليم بشكل عام إلا أنها تعمل لعدة سنوات فقط قبل الزواج وإنشاء عائلتها  وسرعان ما  تترك العمل خارج المنزل

وتعمل 14 بالمائة من النساء الأردنيات بعمل رسمي، ولكن هذه النسبة تتناقص نظرا للوضع السياسي الراهن حيث ينافسهن في العمل العديد من اللاجئين السوريين ممن يحظون بقدر جيد من التعليم والذين يرحبون بالعمل نظير أجر زهيد يقوض سلم المرتبات الذي تتقاضاه النساء الأردنيات. ولا تعاني المرأة الأردنية من نقص المؤهلات الرسمية  بل أن العائق أمام بقائها في القوة العاملة هو رضوخها للأعراف الاجتماعية والثقافية.

وغالبا ما تضطر النساء اللاتي يرغبن بالإبقاء على وظيفة بعد الزواج إلى التخلي عنها بسبب ساعات العمل والإجازة الوالدية غير المرنة، وعدم وجود رعاية الأطفال، وضعف وسائل النقل العام. وتعرف ديما برقاوي ذلك جيدا، ولكنها تقول بهذا الصدد:

- لقد أصبحت امرأة قوية ومستقلة بسبب عملي. إنه حياتي. على الرغم من أنني أدرك جيدا أن هذا ليس بالمفهوم المنتشر على  نطاق واسع بين النساء في الأردن.

العوائق الجاثمة أمام عمل المرأة خارج المنزل

 

ابتداء من عام 2008، تعاونت منظمة كفنفو الدنماركية مع مركز تطوير الأعمال في عمان مع التركيز على تحسين ظروف عمل المرأة الأردنية وتعزيز ارتباطها مع سوق العمل. ومن بين الأنشطة التي شملها المشروع عقد سلسلة من ورش العمل حول الاندماج والتنوع التي تستهدف مديري الموارد البشرية في عدد من مؤسسات القطاع الخاص في المملكة الأردنية. وكجزء من البرنامج، انتهى مؤخرا اثنا عشر مديرا للموارد البشرية من الأردن من جولة في الدنمارك، حيث زاروا الشركات التي توظف سياسة الاندماج في إدارتها.

وتقر مها شوارب- نائبة الرئيس والمؤسسة المشاركة لمركز تطوير الأعمال- بأن هناك العديد من التحديات في المساواة بين الجنسين في سوق العمل الأردني حيث تعلق:

لا تنحصر المسألة في وجود بعض المفاهيم المتعلقة بوجوب عمل المرأة خارج منزلها أم لا، وكيف يجب توظيفها، بل إن الأمر يتعدى ذلك ليشمل مفهوم أن عملها خارج منزلها يرتبط بالحاجة الماسة لتلجأ لمثل هذا الأمر، فهي تعمل خارج منزلها فقط إن كانت ملزمة بإعالة أسرتها ، ولا ينظر إلى  مشاركة المرأة في قوة العمل الرسمية على أنها مساهمة في تقرير المرأة لمصيرها أو تأمين الضمان المالي لها أو حصولها على الامتيازات. ولو أردنا أن تدخل النساء في قوة العمل الرسمية فعلينا حينها أن نغير من هذه الأعراف الثقافية لأنه من غير المجدي أبدا إبقاء 50بالمائة من السكان  مهمشات جانبا.

يوظف مركز تطوير الأعمال سلسلة من الاستراتيجيات بغية تسهيل التغيير في المواقف ومنها عقد ورشات العمل لأسر الشابات الراغبات بالعمل خارج المنزل. وتوضح مها كيف أن مركز تطوير الأعمال يركز على نشر مواطن القوة والكفاءات التي تتمتع بها أولئك الشابات ومنها: تحقق المرأة الاستقلال المالي، كما وتصبح المرأة شريكا مساويا في عملية صنع القرار في العائلة في نفس الوقت الذي تعمل فيه على رفع المستوى العام لمعيشة الأسرة.

يوفر مركز تطوير الأعمال أيضا التوجيه والإرشاد للشابات اللواتي تم مواءمتهن مع مرشدات أكبر سنا منهن ممن نجحن بالفعل في تحقيق التوازن بين الالتزامات العائلية والطموحات المهنية. كما يقدم مركز تطوير الأعمال ورش العمل في مجال تدريب القدرات واستراتيجيات الاتصالات الشخصية.

ولكن هناك جانب آخر لهذه المسألة إذ إن بيئة العمل في الشركات التي توظف النساء ليست داعمة لخيار المرأة في العمل خارج المنزل؛ ففي الأردن لا توجد ساعات عمل مرنة وعلى الرغم من أن الشركات مطالبة بموجب أحكام القانون بتوفير مرافق رعاية الأطفال لأبناء الموظفين إلا أن هذا قد تم تنفيذه في حالات قليلة.

التنوع يعزز الدخل الصافي للشركات

بل وإنها مرفوضة أيضا لكي تكون وسيلة من وسائل النقل للنساء اللواتي ليس معهن مرافق، كما أن وسائل النقل العام في حالة سيئة. ووفقا لما تقوله مها شوارب فقد بدأت بعض الشركات بتقديم خدمة نقل خاصة لموظفيها. ومع الأخذ بعين الاعتبار أن الشركات مطالبة أيضا بتقديم الرعاية للأطفال فإن التعاقد مع الموظفات يبدو أمرا مكلفا وصعبا لأصحاب العمل.

ولا تشكك مها شوارب في أن عمل المرأة سيكون مفيدا في تعزيز الدخل الصافي للشركات وهي حقيقة تم ترسيخها من خلال الزيارة إلى الدنمارك. وستتجسد الخطوة المقبلة في نشر هذه الرسالة إلى الشركات الكبيرة في الأردن.

وحتى الشركات الأكثر تقدما لم تستوعب تماما مدى الفوائد التي تعود عليها جراء توظيف النساء. إن التنوع يدفع إلى الابتكار مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الكفاءة والإنتاجية، وقد أثبتت الشركات مثل ميرسك، شركة آرلا، وIBM التي تمت زيارتها في الدنمارك أن هذا هو الحال على أرض الواقع. ويجب على الشركات أن تدرك أنه من خلال إدماج المرأة في القوى العاملة فإنها تكتسب منظورا آخر من شأنه أن يولد فرصا اقتصادية جديدة. إننا بحاجة إلى التنوع في سوق العمل، ولكن من أجل تحقيق ذلك يجب أن يكون هناك قرار استراتيجي واعٍ وهذا لن يحدث من تلقاء نفسه وفقا لما تراه مها شوارب.ومع ذلك قالت إنه يوجد في الوقت الراهن دعم سياسي لصالح إدماج المرأة في القوى العاملة في الأردن

المرأة في الأردن

بالرغم من المستوى العالي في التعليم بين النساء الأردنيات إلا أن البلد تقع في قاع مؤشر الفجوة الجندرية العالمي  وفقا لما تم نشره سنويا من قبل المنتدى الاقتصادي العالمي، وقد ورد فيه أن الأردن تحتل المرتبة 134 من أصل 142 دولة.

ومن ناحية أخرى تتصدر الدول الاسكندنافية قائمة المؤشر مع أيسلندا في المركز الأول والدنمارك في المرتبة الخامسة.

أما في حال تمت مقارنة الأردن من حيث مستوى التعليم وفقا للجندر فقد تبوأت مركزا ينوف عن المتوسط في المرتبة السبعين من هذا المؤشر.

الحاجة إلى تغيير المواقف

لقد كانت زيارة الشركات الدنماركية بمثابة فرصة لفتح الآفاق أمام ديما برقاوي، إذ يعتبر قطاع الضيافة خاصتها من أصعب القطاعات التي يمكن للمرأة أن تعمل فيها نظرا لما يطلق عليه من أحكام مسبقة، حيث أن هذا القطاع مرفوض لأنه مرتبط بالإباحية ومن أقل الأسباب للاعتقاد بذلك هو تقديم الكحوليات في الفنادق الكبرى مثل فندق حياة الذي تعمل فيه ديما. وفضلا عن هذا يؤثر التحيز ضد المرأة على القرارات الإدارية.

عندما أعود إلى عمان سأعقد اجتماعا مع كل من الموظفات لدي لأتعرف إلى ما يدور في أذهانهن بخصوص ندرة النساء العاملات في القطاعالضيافة. أريد أن أعرف عن التحديات التي يواجهنها وكيف يمكن حلها. كما يمكنني أن أعرض ما لديهن للإدارة بحيث يكون هذا بمثابة المحفز للتغيير المنشود في المواقف.

 

مسؤولية  الشركات

يعد هذا الوقت في الأردن الوقت المناسب لتعزيز تكافؤ الفرص حيث يروج وزير العمل الحالي الأستاذ المهندس نضال القطامين لأجندة تقدمية تعمل على تنفيذ مجموعة من الاستراتيجيات الرامية إلى تعزيز دخول المرأة إلى سوق العمل

 وتشير د.إيمان عكور رئيسة قسم تمكين المرأة الاقتصادي في وزارة العمل إلى مجموعة من الخطوات الملموسة التي تحققت خلال السنوات الأخيرة من أجل تسهيل دخول واستمرار وجود المرأة في سوق العمل.

وقد وضعت وزارة العمل مخططا لتنظيم الإجازة الوالدية بحيث تكون ممولة من صاحب العمل، الأمر الذي يجعل من السهل على الشركات الخاصة أن تمنح موظفيها هذه الإجازة. وعلاوة على ذلك، يعزز هذا المخطط مبدأ المساواة بين الجنسين من خلال تقديم نفس المستوى من الدعم للموظفين الذكور والإناث.

كما دعمت وزارة العمل إعادة هيكلة صناعة الغزل والنسيج على نحو شامل حيث أن هذه الصناعة توظف عادة الكثير من النساء.  ونظرا لأن النقل من وإلى مكان العمل كان يجسد عقبة أمام عمل المرأة  فقد تم إنشاء 12 موقع عمل تابع على مقربة من المدن الكبرى في الأردن وتم تحسين البنية التحتية فترتب على ذلك تقليص صعوبة تنقلات الموظفين، الأمر الذي قد كفل استمرار عمالة الإناث في هذه الصناعة.

- وتقول د. إيمان عكور : إن الجهود المبذولة في هذا المجال تعمل على زيادة فهمنا للتحديات التي تواجهها النساء. ونعمل حاليا على إعداد خطة استراتيجية طويلة الأجل تركز على المساواة في الأجور وإنشاء مرافق لرعاية الأطفال في الشركات الكبيرة. لقد بدأت للتو الإستراتيجية الوطنية للأردن 2015-2025 والتي تشمل في طياتها أهدافا ترمي إلى تكافؤ الفرص في سوق العمل.

وعقب زيارتها إلى الدنمارك فقد بقيت متفائلة بالرغم من أنها تصف حال الأردن بأن ما يحدث فيه هو عملية سريعة بالمقارنة مع العملية التي تشهدها الدنمارك من حيث التساوي في الفرص الوظيفية.  

إننا نحاول حاليا الضغط من أجل تحقيق التساوي في الفرص على نحو يشابه التجارب التي شهدتها الدنمارك في السبعينيات ولكننا بحاجة إلى المضي قدما والعمل على التنوع والاندماج، وكم كان من الجميل رؤية الشركات الدنماركية وهي على قدر عال من الوعي تجاه التنوع في النوع الاجتماعي ( الجندر) في مكان العمل، لقد عرفت هذه الشركات كيف أن التنوع في الجندر  يحسن من الانتاجية وهذا هو السبب الذي دفعها إلى العمل على تحقيق هذا الهدف. كما أردفت لم تقع المسؤولية هنا في تناول هذا الوضع على عاتق الحكومة فحسب.