يتأثر الرجال، والنساء، وخاصة الأطفال بالحرب. الرجال هم بشكل أساسي الذين يحاربون وقد يتعرضوا للقتل في المعارك، في حين أن النساء والأطفال هم الضحايا. فهل أن الوضع هو كذلك فعلا؟ تبين بحوث النوع الاجتماعي كيف تحول الحرب فهمنا للنوع الاجتماعي. ونحن هنا نلقي نظرة عن كثب على النزاع الحالي في اليمن- وعلى معنى النوع الاجتماعي خلال تزايد التوتر في البلد.

خلال الأشهر الأخيرة، قصف التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية المواقع العسكرية والمعسكرات التي سيطر عليها التحالف الذي جمع بين حركة الحوثيين اليمنية والرئيس والديكتاتور اليمني السابق على عبد الله صالح. ينتمي الحوثيون في الأصل لفرع من الشيعة منشأهم اليمن الشمالي، وهم معروفون في اليمن والخارج بأنهم محافظون للغاية في فهمهم وممارساتهم بالنسبة للنوع الاجتماعي.   

الحرب وما يصاحبها من حرمان، وقلق، ومآسي فرضت نفسها على الحياة اليومية للشعب اليمني. وقد بعث شركاء كفينفو  مؤخرا بتقارير عن الوضع:

تقول بلقيس زابرا، مديرة مركز بحوث ودراسات تطوير النوع الاجتماعي في جامعة صنعاء، "الانفجار الأخير الذي حدث قبل بضعة أيام تسبب في الكثير من الدمار للبيوت والمعامل، بما في ذلك منزل أهلي. وقد حدث أنني كنت هناك ساعتها، وكان الأمر وكأن زلزالا ضربنا، حيث تناثرت شظايا النوافذ المكسورة في كل مكان. ولحسن الحظ أننا لم نصب. لقد كنا محظوظين للغاية، لكن آخرون كانوا أقل حظا. ولقد جاء والدي ووالدتي للسكن معي في منزلي، إلى أن نرى نهاية لهذا الكابوس."   

عمل مركز كفينفو في اليمن

يعمل مركز كفينفو في اليمن منذ عدة سنوات. ويتركز عمله هناك على موضوعين رئيسين: المشاركة السياسية للمرأة ودراسات النوع الاجتماعي.

يعمل مركز كفينفو على تنسيق مشروع "تطوير برنامج الماجستير في التنمية الدولية والنوع الاجتماعي"، وهو مشروع تعاوني بين "مركز بحوث ودراسات تطوير النوع الاجتماعي" في جامعة صنعاء، و"دراسات التنمية الدولية" في جامعة روسكيلده. كما تُساعد كفينفو على إقامة مكتبة في المركز.

تم إطلاق هذان المشروعان في العام 2009 وقد واجها العديد من الصعوبات منذ البداية، والتي شملت الانتفاضة الشعبية في اليمن وكذا الضربات الجوية الحالية. إلّا أنّ الدفعة الأولى من خريجي البرنامج الرئيس منخرطين الآن في إعداد أطروحاتهم للحصول على شهادة الماجستير.

مشاركة المرأة السياسية: لدى كفينفو شريكان هما مؤسسة أوام التنموية الثقافية والمنظمة الشبابية، "أجيال بلا قات". قامت مؤسسة أوام بتشكيلة من الأنشطة بهدف زيادة نفوذ المرأة في دستور البلد الجديد.

إضافة إلى ذلك، تعمل مؤسسة أوام مع "أجيال بلا قات" من أجل إيجاد خطط إقليمية لإشراك المرأة في العملية السياسية.

ولكن من الملامح الأساسية بالنسبة لجميع المشاريع أنها أجبرت على الحد من أنشطتها بسبب الوضع الحالي والظروف الراهنة.

وتكشف التقارير الواردة عن الوضع الحالي في صنعاء بأن النساء والأطفال ليسوا وحدهم من تأثر بل جميع السكان.

بيّنت صبرية الثور، وهي طالبة تعد لشهادة الدكتوراه في جامعة روسكيلده وتقيم في اليمن، كيف أثّرت الحرب على الحياة اليومية في شهر مايو: 

"الوضع يتدهور بسرعة. هذه هي الليلة الخامسة من انقطاع الكهرباء في البلد كله، في حين أن جيراننا الأثرياء يُضيئون بكرم سماء الليل بالقنابل والصواريخ. ومن أجل الحفاظ على الوقود فإننا لا نشغل المولدات سوى 30 دقيقة في اليوم. لكن 20 لترا من الوقود تكلف 150 دولارا في صنعاء، وهناك طوابير طويلة في محطات الوقود. يحتاج المرء إلى يومين أو ثلاثة للحصول على 40 لترا من الوقود. كما أننا نفتقر إلى الماء، ويقف الأطفال والنساء في طوابير أمام المساجد على أمل الحصول على شيء من مائها. وليس لدينا خبزٌ ولا طحين، وهناك فقط طوابير متعرجة أمام المخابز. وبصراحة نحن لا نعرف إلى متى نستطيع تحمل ذلك. المستشفيات تتحمل المعاناة الأكبر، وقد أصدرت وزارة الصحة للتوّ نداءً تطلب فيه المساعدة لتجنب الأزمة الإنسانية التي تلوح في الأفق."

هل هي حماية؟

في العام 2000 صرح مجلس الأمن الدولي، في القرار 1325، بوجوب حماية المرأة من العنف خلال الحروب وإدماجها كشريكٍ مساوٍ للرجل خلال عمليات السلام بعد توقف الحرب. معظم الدول التزمت بالتوقيع على هذه الوثيقة.

فلماذا  لا زال من المهم التركيز على النوع الاجتماعي والفوارق بين الجنسين المتعلقة بأوضاع الحرب وأسبابها، بعد مضي 15 عاما على المصادقة على القرار المذكور؟ تشير بحوث النوع الاجتماعي المتعلقة بالنزاعات الدولية بأن الحرب نفسها ظاهرة تتعلق بالنوع الاجتماعي. الواقع أن الرسالة هي أن الحروب، على الأغلب، ما كانت لتقع من دون وجود تمييز في النوع الاجتماعي.  

تنبع الشهادات الشخصية أعلاه من وضع متأزم في اليمن منذ ما يزيد على أربع سنوات. شهدت اليمن، مثل دول أخرى في الشرق الأوسط، ربيعها العربي الخاص- ومع أن العملية، شهدت استقالة الرئيس السابق وانهيار الحوار الوطني اللاحق. ولجوء حركة الحوثيين، الشريك في عملية الحوار الوطني، لاستخدام القوة بهدف تحقيق مطالب سياسية، فاستولت على البلد كله في تلك العملية. فقد ناشد الرئيس المؤقت، عبد ربه منصور هادي، الدول العربية المجاورة لتقديم المساعدة، التي بدأت بتوجيه ضربات جوية استهدفت مواقع الحوثيين وتحصيناتهم للشهر الرابع على التوالي. فإنه يكاد يكون من المستحيل أن نتخيل وجود تعارض أكبر لروح الانتفاضة الشعبية وما ولدته من تفاؤل.  

حتى الحقائق القاسية للحرب توفر فرصا مفاجئة للنساء. فنقص المحروقات دفع بعض النساء، كما هو مبين في الصورة أعلاه، إلى ركوب الدراجات الهوائية- وهو أمر ما كنا لنسمعه قبل بضعة أسابيع فقط- وهذا يشكل اقتحاماً من نوعٍ آخر للمجال العام. الصورة من فيسبوك.

نساء على الدراجات الهوائية

حتى الحقائق القاسية للحرب توفر فرصا مفاجئة للنساء. فنقص المحروقات دفع بعض النساء، كما هو مبين في الصورة أعلاه، إلى ركوب الدراجات الهوائية- وهو أمر ما كنا لنسمعه قبل بضعة أسابيع فقط- وهذا يشكل اقتحاماً من نوعٍ آخر للمجال العام. الصورة من فيسبوك.

كانت مشاركة المرأة في الانتفاضة الشعبية واضحة منذ البداية. أعداد هائلة من النساء سِرنَ عَبرَ مدن اليمن وهنّ يحملن لافتات ويطرحن أعلاما يمنية على رؤوسهن أو أكتافهن. وبمشاهدة النساء في المدن اليمنية نجد أنهن يرتدين من رأسهن حتى القدم عباءة فضفاضة سوداء، وقد بينت الانتفاضة أن ليس من الضروري أن تكون المرأة المسلمة المغطاة بالكامل بلا صوت أو خانعة. على العكس من ذلك، كان صوت لنساء المتظاهرات في اليمن عاليا جداً خلال المسيرات والمظاهرات، وانضَمَمنَ إلى الدعوة الشعبية لإسقاط النظام. مشاركة المرأة اليمنية في الانتفاضة الشعبية ضد الفساد والقمع بلغت الذروة بمنح جائزة نوبل للسلام للمرأة الأشد بروزا في الانتفاضة، الصحفية والعضوة في حزب الإصلاح اليمني، السيدة توكل كرمان.

وكما شاركت المرأة بشكل بارز ورائع في المظاهرات، والمسيرات، والتجمعات، والاعتصامات في "ساحة التغيير" في العاصمة صنعاء، كان رد السلطات ونظرائهم السياسيين ضد المرأة عنيفا بشكل خاص واتخذ شكل عقوبات وأعمال عنف. وقد ألقى الرئيس اليمني السابق، قبل إجباره على الاستقالة، خطابا حاول فيه إخافة النساء لمنعهن من المشاركة في الانتفاضة حين وصف مشاركتهن العامة في المظاهرات على أنها غير مناسبة ومخجلة. وحدث في وقت لاحق أن هوجمت مجموعة من المتظاهرات وتعرضن للتعدي والضرب من قبل الرجال. 

    

وقد دَوَّنَت بشرى المقطري، وهي مؤلفة وشاعرة يمنية شابة ردود فعلها على هجوم قوات الحكومة على المتظاهرين. كتبت تقول: "الله غير حاضر هنا...." وبينما كانت الاحتجاجات لا تزال قائمة في مدينتها، تعز، أصدر مجلس علماء المسلمين في اليمن، المكون من الرجال فقط،  فتوى ضدها، حيث نَدَّدَت الفتوى بها واعتبرتها مرتدة، مُعطيةً بذلك تفويضا مطلقا لأي كان أن يقتلها. لحسن الحظ، أنها لم تصب بأي أذى حتى الآن.

نساء على الدراجات الهوائية

أسطورة أن النساء هن في الأساس ضعيفات وغير فاعلات في زمن الحرب غالبا ما تستخدم للسخرية من الرجال الذين يجدون أنفسهم يخوضون حربا ضد النساء، أو الرجال الذين يبدون أكثر تحفظا بشأن الحرب الفعلية من النساء المعنيات. 

أظهر فيديو على اليوتيوب المئات من النساء مرتديات الثوب اليمني التقليدي الذي يغطيهن من الرأس إلى القدم، ويحملن بنادق الكلاشنيكوف، ويهتفن معا بشعار حركة الحوثيين، المستعار من الثورة الإيرانية: "الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام!".  لإبراز تلك النقطة أكثر، واجهت إحدى النساء الحوثيات الكاميرا مصرحة بأن النساء مستعدات لهجر أي رجل في اليمن، لا يبدي استعدادا للمشاركة في الصراع ضد الاستعماريين السعوديين!

يواصل التحالف الذي تقوده السعودية غاراته الجوية، التي يرى الناس أنها عدوان على الشعب اليمني أكثر مما هي ضد الحوثيين واستيلائهم على السلطة في اليمن. وحين تجد المرأة نفسها وسط النزاع، فإن مجرد تعريفها للعدو يجعلها شريكة في الحرب وليس مجرد ضحية سلبية. تدرج ناشطة حقوق المرأة، البروفيسورة في جامعة صنعاء، حسنية القادري، أعداء اليمن الأساسيين. ووفقا لها، فإن شقيقة اليمن الكبرى إلى الشمال كثيرا ما جعلت الناس يشعرون بوطأة نفوذها في اليمن، وهو أمر نادرا ما كان في مصلحة اليمن. وتصف حسنية القادري السعودية بأنها العدو رقم واحد لليمن:

"- وعلى مدى التاريخ كانت السعودية تحاول الحط من قدر اليمنيين، السعوديون يستغلون بلدنا- سواء في الشمال أو الجنوب- ومنعونا من استثمار مصادرنا مثل النفط الخ. في أواخر سبعينيات القرن الماضي، غزا السعوديون مدارسنا ونشروا ممارساتهم الدينية المتطرفة، الوهابية، التي قادت إلى ظهور القاعدة وداعش. إنهم عدو اليمن رقم واحد..."

الوهابية ليست أقل تحفظا من الحوثيين فيما يتعلق بالعلاقة بين الجنسين. وربما كان هذا هو السبب في ندرة المراجع عن القمع والأشكال الأخرى من المعاناة التي تعرضت لها المرأة في اليمن- بخلاف ما حدث خلال التدخلات العسكرية الماضية في العراق وأفغانستان-  حيث أنهن لسن أفضل حالا من النساء في العراق وباكستان. على العكس من ذلك، فبالنسبة لحسنية القادري فإن الرئيس المؤقت، عبد ربه منصور هادي، هو عدو اليمن رقم اثنين- الذي فقد شعبيته منذ أن ناشد السعودية وحلفاءهاا قصف مواقع الحوثيين في اليمن- مع توقع حصول إصابات في صفوف المدنيين:     

"- عدونا رقم اثنين هو الرئيس، الذي عهد إليه اليمنيون بمهمة قيادة اليمن بسلام خلال المرحلة الانتقالية.  لا مكان له في اليمن الجديد."  

قدمت حسنية القادري، التي تؤسس لبرنامج ماجستير في التنمية الدولية والنوع الاجتماعي بالتعاون مع جامعة روسكيلده ومركز كفينفو هذا المثال:

عن الكاتبة

تعمل كوني كارو كريستيانسن كباحثة ومستشارة للبرنامج في مركز كفينفو، ومن المسؤوليات الملقاة على عاتقها تنسيق برنامج الماجستير. وقد كانت في السابق أستاذة  في جامعة روسكيلده حيث طورت مشروع التعاون مع مركز بحوث ودراسات تطوير النوع الاجتماعي. 

 

اقتباسات من شركاء كفينفو ظهرت بإذن منهم

"لم يكن مفاجئا أن النساء لم يَكُنّ محايدات بل شريكات في الحرب، حتى وإن لم يشاركن في القتال الفعلي. التقارير الأخيرة من عدن، المدينة اليمنية في أقصى الجنوب، تشير إلى أنه يجري تجنيد النساء من قبل المليشيات المحلية لمحاربة الحوثيين في عدن." 

تؤيد هذه الملاحظات الباحثة الأميركية، لاورا شوبيرج، التي بينت كيف تساهم المرأة وتشارك في العنف السياسي، ما يزعزع الترتيبات الهرمية للنوع الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، تساهم مشاركة المرأة في غرس الانطباع بأن المجتمع المعني على شفا الانهيار. ظهور عناصر من النساء في مليشيا عدن هو دون شك مناسبة من ضمن مناسبات عدة تعزز الانطباع بحدوث زلزال وشيك.

لسن مجرد صانعات سلام

النساء مشاركات ناشطات في زمن الحرب. وفي حين أن من المهم أن نبقي معاناة وحرمان النساء نصب أعيننا، فإنهن لسن مجرد صانعات سلام ولا ضحايا في زمن الحرب كما يريد قرار الأمم المتحدة رقم 1325 منا أن نعتقد.فإنّ الحرب تخلق أعداءً للنساء علاوةوكذا على الرجال، وعليه فكلٌ من الرجل والمرأة   يشارك في الحروب والنزاعات وكذا خلق الإحباط والعداوة ، اللذين يُغذّيا الحرب والعنف، وبالدعوة على سبيل المثال إلى المبالغة في تكريس أدوار الرجل في زمن الحرب ، ولذلك فإن النوع الاجتماعي جزء لا يتجزأ من الحرب والأعمال الحربية في اليمن وفي أي مكان آخر.