في حين تُركِّز النقاشات العامة في الدنمارك على ضرورة إصلاح الإسلام على أساس أن ذلك هو الحل الوحيد عندما يتعلّق الموضوع بمواجهة تحديات اإندماج والتفاعل الإجتماعي ، فإن أطروحة جديدة لرسالة دكتوراه أعدتها مونيك هوك تُبيّن كيف أن مجموعة من الشابات المسلمات متحفزات للمشاركة المدنية النشطة في الدنمارك بدافع من إيمانهن.

يرتدين الحجاب، ويصمن رمضان، ولا يأكلن لحم الخنزير ولا يشربن الكحول. ويعتبرن أنفسهن مسلمات ملتزمات، يعشن وفق الأحكام والتعاليم الإسلامية. ما يحفز وجودهن كله هو أن يكنّ قريبات إلى الله. إنهن شابات دنماركيات مسلمات، نساء، ويمثلن شريحة من السكان لا نكاد نسمع شيئا عنها.

هذا أمر مخجل، حسب قول مونيك هوك، التي تبحث أطروحتها لشهادة الدكتوراه من دائرة الثقافة والهوية في جامعة روسكيلده بعنوان:  وعي الذات والممارسات الدينية لعشر نساء مسلمات يعشن في الدنمارك. عنوان الأطروحة هو "روايات عن التقوى- تحليل عن تشكل ذات أخلاقية بين الشابات المسلمات في الدنمارك"، التي تستخلص منها أنه بفضل ممارسات هؤلاء النسوة للشعائر الإسلامية فإنهن يتطلعن للاندماج والمشاركة المدنية في المجتمع الدنماركي. وتتعارض هذه النتيجة تماما مع التصورات الشائعة عن المتدينين، المراعين للشعائر الإسلامية في الدنمارك.

عن الأطروحة

 روايات عن التقوى والعفّة- تحليل عن تشكل ذات أخلاقية بين الشابات المسلمات في الدنمارك’ بقلم مونيك هوك. دائرة الثقافة والهوية، جامعة روسكيلده.

اقرأ المزيد وراجع الأطروحة هنا

 

تشرح مونيك هوك، وهي عالمة اجتماع متخصصة في الأديان قامت بدراسة حول النساء المتدينات على مدى عدة سنوات، الوضع قائلة: "في المناقشات العامة غالبا ما نؤكد بأن المتدينات  المسلمات  نادرا ما يندمجن بشكل جيد في المجتمع الدنماركي. وهذا الوضع ثبت خطؤه في مقابلاتي."

ترتكز دراستها على مقابلات مع عشر نساء تتراوح أعمارهن ما بين 16 و31 سنة يشاركن فيما يُدعى "إحياء الدين الإسلامي"، ويمارسن ما يعتبرن أنه الدين الإسلامي "الصحيح" أو "النقي".

وهي ممارسة ترجع إلى حركة الإصلاح السلفية التي تعود بتاريخها لمصر القرن التاسع عشر. وتعتبر جماعة الإخوان المسلمين التعبير الرئيسي عن هذه الحركة. تدعو حركة الإصلاح إلى العودة إلى الإسلام "الصحيح" وإلى النصوص التي قام عليها، وهي القرآن الكريم والحديث، أي التعاليم، والممارسات، والأقوال التي تعزى إلى النبي محمد عليه الصلاة والسلام. قابلت مونيك هوك النساء في منظمتين إسلاميتين للشبيبة، يتطابق تفسير أعضائها وعضواتها مع هذا التفسير للإسلام.

متسترات ومضطهدات

جميع النساء اللواتي تمت مقابلتهن وُلِدنَ في الدنمارك من والدين مهاجرين، ويعبرن عن ممارستهن الإسلامية من ناحية المظهر بارتداء الحجاب، وفي بعض الحالات الجلباب، ويعتقدن أن في ذلك استجابة لتعاليم القرآن بأن تغطي المرأة نفسها.

قضية أن تغطي المرأة المسلمة نفسها هو أحد المجازات اللغوية المركزية في مسألة ما إذا كان الإسلام يتماشى مع المُثل الغربية في الديمقراطية والمساواة. وبالتالي ثمة اعتقاد شائع بأن المرأة التي ترتدي الحجاب، أو تغطي نفسها بالكامل هي امرأة مضطهدة- سواء اعترفت هي شخصيا بذلك أم لم تعترف. وتعتبر المرأة مضطهدة بشكل مضاعف، لأنها تُخضع نفسها لسيطرة الرجل وللفتاوى الدينية، وهما أمران ينظر إليهما على أنّه من الصعب أن يتماشيا مع قيم المجتمعات الغربية.   

تشرح مونيك هوك  الوضع قائلة، "ثمة تعارض بين المسلمين المتدينين والمجتمع العلماني. ويفهم بشكل خاص أن النساء يخضعن لسيطرة الرجل. وتجد الحركات النسوية ذات التوجهات الغربية صعوبة في فهم خضوعهن لله والزوج. كما أن بعض صيغ البحث وضعتهن في مكانة تُجَرِّدهنّ من أي شكل من أشكال حرية التصرف."

 

النساء اللواتي قابلتهن مونيك هوك على قدر من التعليم ويعملن خارج المنزل. بكلمة أخرى، هن نساء مؤهلات من الطبقة الوسطى، متعلمات وفق النظام الدراسي الدنماركي. وفي حين أنهن يعتبرن أنفسهن نساء قويات، ومستقلات، إلا أنهن غالبا ما تواجُهُهُن فكرة الآخرين عن الأنثى المضطهدة.

وتضيف "محاولاتهن لطرح أنفسهن على أنهن غير مضطهدات تواجه بالصدّ وعدم الاعتراف."

وغالبا ما يتم أخبارهن بأنهن غير مدركات لما يتعرضن له من اضطهاد.

غالبا ما يدور النقاش العام حول المسلمين في الدنمارك بين قوة ثنائية لما يدعى المسلمين الذين اندمجوا بشكل جيد في المجتمع الدنماركي مقابل المسلمين المتطرفين. وثمة اعتقاد شائع بأن المسلمات المندمجات بشكل جيد في المجتمع يمتنعن عن ارتداء الحجاب ويقدمن أنفسهن على أنهن مسلمات ملتزمات.  

وعلى الطرف الآخر من الطيف، يجد المرء المسلمين المتطرفين المتمسكين بحرفية التعاليم القرآنية. إلّا أنّ النساء اللواتي تمت مقابلتهن من قبل مونيك هوك يقعن في مكان ما وسط بين هذين الموقفين. ولكن  بسبب ما يظهر من ممارستهن الدينية، غالبا ما يعتبرن غير متسامحات، و‘متدينات للغاية’، ومن الصعب إدماجُهُنّ.

تقول مونيك هوك، "في الدنمارك، يسعى المرء للتعامل مع نوع معين من المسلمات- المسلمات المقبولات كمواطنات مندمجات،

وهُنّ غالبا المسلمات اللاتي لا يُظهِرنَ انتماءهُنَّ الديني علنا."

المقصد: الخلاص

تَعتَبِرُ النسوة اللاتي تمت مقابلتهن العلاقة الفردية مع الله أمرا مركزيا. مقصدهن هو إصلاح النفس لنيل الرضى في الآخرة. في حين أن هذا ليس مشروعا نسائيا ولا تحرريا، فإنهن غالبا ما يجدن أنفسهن يدافعن عن حقهن في التحرك بحرية، ومتابعة تعليمهنّ ، ومن ثَمَّ العمل خارج المنزل.

تروي مونيك هوك مثالا عن امرأة قرر زوجها السفر إلى الشرق الأوسط لاستكمال دورة في اللغة العربية مدتها ستة أسابيع. في البداية لم توافق المرأة حيث أنها ستُترَك مسؤولة لوحدها عن رعاية طفليهما. وفق فهمها للإسلام، الزوج بوصفه رب الأسرة يحق له اتخاذ القرار الأخير. وحيث أنها قبلت قراره بالسفر، على الأقل لأنه يسافر طلبا للعلم- وهو أمر يحظى بتقدير كبير في الإسلام. وبهذا تستخدم المرأة صيغة من المنطق الإسلامي بهدف تبرير عمل زوجها. وبعد أن يغادر الزوج، تكتشف المرأة خلال الأسابيع الستة التي غابها أنها قادرة على تدبر أمرها بمفردها ومن دون مساعدته.

تقول مونيك هوك، "يساهم هذا الأمر في زيادة سلطة المرأة الشخصية. حقيقة أنها خضعت لرغبة زوجها أمر أقل أهمية- المهم أنها ساهمت في رفاهية الأسرة وتدبُرَت أمرَها بفضل من الله."

وتضيف، "قد يقول المرء أن الأمر يتلخص في عملية التحول الشخصي الخاصة بالمرأة. وهو أمر قد يعتبره آخرون خضوعا، لكنّها  تعتبره تحولا. وهو شيء أقرب إلى التفويض الشخصي." 

هل تنامين مرتدية الحجاب؟

بغض النظر عن عمليات التحول الشخصية، فإنهن غالبا ما يصطدمن بوجهات النظر نفسها التي لا تتغير في الحياة اليومية. يجري سؤالهن عما إذا كن مسلمات. ويسألن عما إذا كان أهلهن هم من يرتبون لتزويجهن، أو ما إذا كن يَنَمنَ مرتديات للحجاب.

تقول هوك، " النساء يعتبرن تلك الأسئلة عدوانية لأنها تحملهن عبء تفسير من يكن هويتهنّ، والسبب في أنهن على هذه الحال."

إيمان هؤلاء النسوة يلزمهن القيام بالدعوة. أي دعوة الآخرين إلى الإسلام. وتشكل الدعوة جزءا من مشروع تَعبّدهنّ.

تشتمل الدعوة على التمييز بين العمل الصالح والعمل الطالح، إضافة إلى مساعدة الآخرين على القيام بأعمال صالحة. وفي بيئة دنماركية تُواجَهُ فيها المرأة بجميع أنواع الأسئلة المتعلقة بممارساتها الدينية، وتتضمن الدعوة أن يكون المرء مستعدا للإجابة عن جميع الأسئلة التي قد تُطرح.

تضيف مونيك هوك، "هذه المجموعة من النساء تعتبر نفسها جديرة بتمثيل الإسلام، وهو أمر يستتبع محاولة توضيح أي سوء فهم عن الدين وإعطاء إجابات شاملة عن جميع الأسئلة."

كما يعتبرن أنفسهن نماذج تُحتذى- وهو تعبير آخر عن ممارساتهن  الدينية.

تقول مونيك هوك، "تعيش هذه المجموعة من النساء حالة مستمرة من عمليات تقييم الذات. حتى أنهن يعتبرن أي عمل صغير مثل رمي قشرة موز في الشارع  خطأ، لأنهن يعتبرن أنفسهن نماذج تحتذى بالنسبة للمسلمين الآخرين إضافة للأغلبية غير المسلمة من السكان."

العمل الصالح يقربك من الله

تصف هوك مدى تأثر المسلمين وغير المسلمين على حد سواء من إقامة مثال صالح ومدى أهميته في فهم المرأة لذاتها. هن معنيات بأن يكن مسلمات صالحات وإظهار وممارسة مثال جيد هو طريقة تقربك إلى الله. كما أنهن يشاركن في حوارات ويساهمن في أنشطة مختلفة وفي أعمال تطوعية بهدف إظهار أن المسلمين ليسوا أناسا غير متسامحين ينأون بأنفسهم عن المجتمع.

"يتعلق كل شيء بأن يكون المرء مسلما صالحا. ويجادلن بأن القيام بالعمل الصالح يفعل الأعاجيب للطريقة التي يمارسن فيها الإسلام. لذلك فإن العمل الصالح يستتبع التأثير في الآخرين من خلال الحوار وعلاوة على ذلك فإنهنّ ينظرن إلى أنّ ذلك يؤدي إلى بناء ذواتهن الخاصة مع التطلع للحصول على مرضاة الله."

في حين أن ما يدفع هؤلاء النسوة للقيام بالأعمال الصالحة هو التقرب إلى الله، فإن هذا الجهد يقود في الوقت نفسه إلى مشاركة نشطة في المجتمع الدنماركي. وهو أمر يحمل في طيّاته آفاق عظيمة للاندماج، كما تقول مونيك هوك، إلا أنه ما زال موضع تجاهل من قبل المؤسسات والسياسيين على حد سواء. وهو أمر تشعر مونيك هوك بالحيرة تجاهه:

"من حق المرء أن يسأل: ما السبب في أنّ الاعتراف بهؤلاء النسوة كمواطنات ما زال نقطة خلاف؟ ولماذا ما زال مظهر المسلمين الملتزمين موضع جدل في الدنمارك؟