بالنسبة لنساء سوريا لم تجلب الحرب القنابل والتهجير والعنف فحسب. فقد أدى انهيار المجتمع العادي إلى العودة بهن إلى حياة تسيطر عليها التقاليد المتشددة والعادات المحافظة جدًا. أعادتهن إلى حياة تقاس قيمة المرأة فيها بقدرتها على الإنجاب وحيث طهارتها أهم من حياتها نفسها. كتبت الصحفية السورية زينة ارحيم هذه القصة وأرفقتها بعدد من اللقطات والتجارب عن حياة النساء في سوريا التي مزقتها الحرب.

 

المشهد الأول: التكاثر

تمسك طرف ثوبها الأسود الطويل وبيدها الثانية كتلة من البطانيّات الفاهية داخلها جسد صغير٫ تحاول الصعود إلى الباص فتفشل في المرة الأولى وعلى وجهها علامات الألم٫ تشد على عينيها بالإغماض وتحاول مجدداً٫ تلاحظها صبية فتهرع نحوها تمسك يدها وتشدّها نحو الداخل٫ تجلس السيدة بثقل على الكرسي٫ تمد الطفل على حضنها لتحرر يديها وتخفي وجهها باكية خلفهما.

الباص الأخضر المُتعب ينقل السوريين العائدين من البوابة التركية في معبر باب السلامة إلى كراجات سجّو في ريف حلب.

وقبل أن يتحرك تقفز امرأة خمسينية من مقعدها نحو الامرأة الغارقة بألمها٫ تكشف إحدى البطانيات عن وجه الطفل وتسألها “إن شاء الله صبي”؟..

تمسح الأم دموعها وتجيب بتعب “لا٫ بنت”٫ تعبس الأخرى وتعود إلى مقعدها وهي تحاضر بنا٫ نحن نساء الباص٫ “لا٫ ما بصير هيك٫ لا زم نجيب صبيان لنعوّض الشباب المقتولة والمخطوفة٫ مو وقت البنات هلأ”.

تكسر سيدة أخرى اضطراب الموقف٫ تلتفت نحو الأم وتقول لها الحمد لله على سلامتك أختي٫ متى ولدتي؟٫ تسترخي قليلاً بعد الشد والذنب الذي حاولت الخمسينية أن ترميه على جرح رحمها النازف وترد من يومين وما معنا مصاري تكفي اقعد بتركيا ليطيب الجرح فانجبرت 

عن زينة ارحيم

 

زينة ارحيم صحفية سورية درست في سوريا وفي جامعة سيتي البريطانية. وتعمل الآن كمنسقة لمشروع سوريا مع معهد صحافة الحرب والسلم.

وهي تعيش في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة شمال سوريا وقد اختارتها منظمة صحفيون بلا حدود كواحدة من مجموعة مختارة جدًا من الصحفيات للاحتفال بيوم المرأة العالمي. عاشت معظم حياتها في سوريا، وتعمل منذ 9 سنوات كصحفية مع جهات عدة في دمشق، ولندن، وتركيا، مثل صحيفة الحياة، ومحطة بي بي سي البريطانية التي تركتها من أجل العودة إلى سوريا.

 

عقد مركز كفينفو مقابلة مع زينة ارحيم في 2009، حين شاركت في ورشة عمل خاصة بصحفيات الثقافة النسائية من الأردن، والمغرب، وسوريا، والدنمرك خلال تظاهرة الأفلام التسجيلية (أيام سينما الواقع 2009) في دمشق. قامت الصحفيات خلالها بإعداد الورقة اليومية للاحتفال، بعنوان "وجهات نظر"، وشاركن في الوقت نفسه في ورشة عمل حول النوع الاجتماعي أعدها مركز كفينفو وسينما الواقع.

اقرأ مدونة زينة ارحيم

تابع زينة ارحيم على إنستاجرام

تابع زينة ارحيم على تويتر

شاهد آخر مقال لزينة ارحيم في صحيفة الغارديان

  اقرأ مقابلة شخصية مع زينة ارحيم بالفرنسية

 

تمسح الأم دموعها وتجيب بتعب “لا٫ بنت”٫ تعبس الأخرى وتعود إلى مقعدها وهي تحاضر بنا٫ نحن نساء الباص٫ “لا٫ ما بصير هيك٫ لا زم نجيب صبيان لنعوّض الشباب المقتولة والمخطوفة٫ مو وقت البنات هلأ”.

تكسر سيدة أخرى اضطراب الموقف٫ تلتفت نحو الأم وتقول لها “الحمد لله على سلامتك أختي٫ متى ولدتي؟”٫ تسترخي قليلاً بعد الشد والذنب الذي حاولت الخمسينية أن ترميه على جرح رحمها النازف وترد “من يومين وما معنا مصاري تكفي اقعد بتركيا ليطيب الجرح فانجبرت ارجع على حلب”.

تسير معي الحكاية لعيادة نسائية٫ قُصفت مؤخراً٫ في حي بستان القصر بالمدينة٫ هناك تروي الممرضة للقابلة المناوبة “

اسمعتي بأم محمد اشو صار معها؟ يا حرام قالتلها الدكتورة معك صبي وجوزها بعد ما جبلها ودللها وعطاها وقام ولدت بنت! فتركها بالمستشفى ولما رجعت على بيتها دقها قتلة و طلقها”.

تقاطع الحديث صبية في الخامسة عشر من عمرها تدخل العيادة مع أمها٫ تعجز محاولات المراهقة بأن تخفي طفولتها خلف الحذاء النسائي ذو الكعب العالي وحقيبة اليد الرسمية٫ تهمّ الأم بالحديث ومعالم القلق تطفو على وجهها “يا دكتورة بدي تشوفيلي شو قصتها بنتي٫ إلها ٦ أسابيع متزوجة ولم تحمل بعد!”.

وأخرى تصغرها بسنة٫ في الخامسة عشر من عمرها جاءت نازفة بعد أن ذهب جنينها مع سماع خبر استشهاد زوجها على إحدى الجبهات في حلب.

وللنساء “الكبيرات بالسن”٫— أي الأربعينات بالأعراف المحلية أيضاً فصول من القصص في العيادة النسائية.

من تحت الخمار تسأل سيدة مستعجلة القابلة “أختي تزوجت على كبر وهي في الأربعين٫ تنزف منذ أسبوعين ولا نعرف السبب٫ زوجها لم يعد يريدها ويسعى للطلاق٫ يقول أنه خُدع وأخد بضاعة مغشوشة تنزف!”.

وتستغفل أخرى دخول ابنة زوجها الحامل للفحص٫ لتسأل عن أدوية تحرّض مبايضها على الخوض في رحلة الإنجاب من جديد “لفرّح جوزي” كما تقول بغنج.

لا يُسجّل المولودون حديثاً هنا في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام والمخيّمات في أي من السجلات المدنية المُعترف بها٫لا هوّيات ولا جوازات سفر لهم٫ حتى أن زواج أبائهم غير موّثق ولا أوراق تثبته٫عائمون في العدم هم “بدون” لا يملكون سوا شهادة ميلاد مكتوبة بخط يد من مستشفى ميداني في أفضل الأحوال٫ لا عيادات متخصصة للأطفال هنا٫ بالكاد يستطيع من بقي من الأطباء أن يسدّ حاجات الإسعاف والإصابات اليومية.

وفي هذا العام فقط شهدت الأحياء الشرقية من حلب مجزرتين في مدارس ابتدائية قضى فيها عشرات الطلّاب في عين جالوت وسعد الأنصاري.

إلا أن المواليد مستمرة في ركضها نحو المجهول متأرجة بين موت مُرجّح وحياة كاملة من المعارك اليومية لتحصيّل أي حقّ وأصغر فرصة٫ فهي سلاح النساء لمحاربة انقراض وفناء السوريين ممن تجرؤا على معارضة النظام والمطالبة بحقّهم في الحرية.

 

المشهد الثاني: رجّالي  

 

تطفح الذكورة بفجاجة أكبر في مناطقنا الخاضعة لسلطة المعارضة كلما ثقلت الحرب على المدنيين٫ كلما نزحت عائلة جديدة وبعد كل مجزرة٫ في العام الأول كان للناشطات مساحات حتى على الجبهات كمُسعفات وإعلاميات وحتّى مُرافقات للمساعدة.

نُفين من تلك المساحة الصغيرة٫ لتتوسع مساحات النفي لتمتدّ لسوريا بالكامل٫ عديداتٌ منهنّ أُجبرن من قبل أزواجهنّ الثوار على ترك البلد والثورة والسفر لتركيا حيث الأمان لتُربّي أولادها بينما يتناوب هو بين دوريه كأب وزوج في تركيا وثائر في سوريا.

المنظمات الدولية وخاصة تلك العاملة بالمجال التعليمي فرضت كوتا إلزامية لعمل النساء٫ مُجبرة العديد من الأزواج المتعصّبين المُتعبين من البحث عن عمل على قبول عمل زوجاتهنّ لتسدّ احتياجات العائلة.

لكنّهن منفيات من كل مراكز صنع القرار وإن وُجدن فشكلياً إرضاء لإلحاح المُمول الأجنبي الذي يستورد قوالبه جاهزة لنسخها.

لا فاعلات في المجالس المحلية٫ المحاكم٫ الكتائب٫ المنظمات الطبيّة٫ الإغاثية٫ التنموية…

لا لمسات نسائية على الجدران المزدحمة بالرسوم والشعارات٫ ولا هنّ مُخاطبات بها٫لا صور للشهيدات على جدران الذاكرة ولا مشاريع لبناء أرضية حقيقة تساويهّن برجالهّن بالمسؤوليات والحقوق رغم كثرة المشاريع الورقية.

 

المشهد الثالث: منظمات تشييئ المرأة

تمايلاً على ألحان الممول٫ تضمّن العديد من المنظمات المحلية والدولية في دول الجوار المرأة في عروض عملها وتقاريرها٫ أما عن المشاريع وفاعليتها وتأثيرها حقيقة على النساء في الداخل السوري واللاجئات فهو مسألة جديرة بالبحث.

العديد من المنظمات التي يُفترض أن تقوّي المرأة تستخدمها كأداة شحادة٫ بعضهم يستخدمها بشكلها مع الحرص على تشكيلة “محجبة و غير محجبة ومزيج طوائف” لتعكس صور اجتماعاتهم ومؤتمراتهم مختلف شرائح المرأة السورية!

وأخرى تستغل حاجتها المادية وتطلب منها القيام بمشاريع تعرض حياتها داخل سوريا للخطر فقط لتتباهى المنظمة بأن عندها “دُكاناً” في سوريا٫ تفاخر به باجتماعاتها وتؤكد على وصولها للداخل.

قامت إحدى المنظمات مثلاً بتوقيع النساء المُشاركات بدوارتها التدريبية -بعد إعطائهم المعدّات المتاحة- على أواق انتسابهم لشبكة تُمثلّها مديرة المنظمة نفسها٫ وقد وقعت كل الحاضرات للتدريب دون استثناء!

هذا عدا عن المشاريع النسائية التي يؤسسها أشخاص لم يعرفوا موقع سوريا على الخارطة قبل أربع سنوات ولم يدخلوها في حياتهم٫ دون الاستعانة باستشارة أية سوريّات٫ مشاريعهم ليست مبنية على رمل فقط إنما جهلهم بالواقع ومخاطره الكبيرة قد يتسبب بقتل ناشطين مازالوا في سوريا٫ كمركز للمُعنّفات في أخطر مدينة بالعالم حلب!.

المؤسسات المعارضة والمنظمات الدولية تدور في هذا الفلك أيضاً٫ “نحتاج امرأة٫ هل تشاركين” كثيراً ما اتلق هذا العرض المستفزّ الذي يختزل كل إمكانياتي وعملي في كينونتي الجنسية “امرأة” يرغبون بوجودها في مؤتمراتهم أو تجمّعاتهم!

يُهنيني أولئك المُتحضّرين أكثر ممن يعاملني “كحرمة” كما ربّته أمه وجّدته.

عدد المنظمات التي قابلتها وتعمل فعلياً على تمكين المرأة في الداخل السوري أقل من عدد أصابع اليد الواحدة٫ بينما يتجاوز عدد المشاريع التي أسمع عنها في غازي عينتاب التركية وحدها عن المرأة المئة.

 

هد: بطلات العرض

خلف كل هذه الستائر مازالت تعمل ناشطات في مناطق سيطرة المعارضة في الشمال السوري٫ هنّ أقليّة تُصفّى بوسائل تتنوّع وتزداد مع الوقت٫ أقليّة عددية لا تحظى باهتمام دولي كالأقليات المختلفة٫ إلا أن جميلاتهّن مازلن يحفرن “طلاّقيات” في جدران القمع الثخينة التي تُشيّد أمامهنّ من قبل المجتمع الذكوري والسلاح الفوضوي والعادات و”العيب”.

تقول عهد٫ وهي من أولى المتظاهرات التي لم تغادر حلب منذ بداية الحراك٫ “رغم أنني لا أستطيع استبدال جرّة الغاز في مطبخي٫ وأحتاج لصديق ليوصلني لبيتي مساء٫ ورغم مواجهتي لنظرات الباعة المُستنكرة كلما ذهت لشراء احتياجات المنزل بنفسي وأنا صبية٫والمشاكل التي أعانيها لأنني لا أتحرك مع (مُحرم)٫ إلا أنني أفعل ما لا يجرأ آلاف الرجال على فعله٫ أنا هنا ومازلت أعمل تحت البراميل والقصف اليومي ولم أترك بيتي حتى”.

عملت عهد في المشافي الميدانية عند بداية دخول المسلحين المعارضين لحلب عام ٢٠١٢٫ وكانت معهم على جبهات القتال٫ تسعف وتداوي٫ رغم هذا تتورط “المشكلجية” كما تُلقّبها صديقاتها يومياً بمشاجرات ومشاحنات وصلت في إحدى المرات بها لسجن إحدى الكتائب٫ لأنها لا تسكت عن حقها وتستل صوتها مواجهةً أي رجل يعطي نفسه الحق أن يتدخّل بلباسها وطول السترة التي ترتديها.

لم تعش وعد في حارات حلب الشرقية كعهد٫ فهي مُهاجرة للحرية تركت جامعتها في حلب الواقعة تحت سيطرة النظام وبيتها الآمن إلى الأخرى التي يسمّيها الناشطون “المُحررة” لتعيش في مشفى ميداني وتصبح الناشطة الإعلامية الوحيدة في الشمال السوري.

إلا أن وعد “تنتمي لهنا” أكثر من أي مكان آخر ومستعدّة لأن تُقتل في سبيل التمسّك بهذه الأرض وتوثيق ما يجري فيها كما تقول٫ ذلك رغم القيود الإضافية التي تُفرض عليها لاختيارها هذه البقعة من الحرب.

للامرأة حُرمة وقوانين ضابطة٫ لكن للامرأة مع كاميرا أثر المعجزة على المُشاهدين٫ “إعلامية!”٫ وليست أجنبية! يا للعجب.

عدّة عمل وعد٫الكاميرا٫ العدسات٫ الحامل٫ المايكروفن ورجل مُرافق٫ لا تستطيع العمل دون أي منها.

وإلى إدلب٫ حيث هاجم مُسلحّون ملثّمون مركز مزايا النسائي مرّتين حرقاً وكسراً٫ وتعرّضت مديرته غالية رحال لمحاولة اغتياب بقنبلة أحرقت سيارتها مؤخراً. على المركز إثباتات وبراهين بأنه يركتب فاحشة إخراج النساء من منازلهّن ويؤمن لهن مكاناً نسوياً آمناً للقاء والتعلّم وفوق هذا يزيد من فرصّهن لإيجاد عمل يُحصّلن به استقلالهّن الاقتصادي.

بعد الحريق الأول دخلت أم خالد المركز لتقييم الأضرار٫ توجّهت نحو غرفة الإدارة في عتم السواد ولهيبه٫ انحنت نحو الأرض الغارقة بماء إطفاء الحريق٫ لتخرج مجموعة من الكراتين المحترقة “هذه أحلام الصبايا كتبوها أمس” قالت لي.

مسحت بيدها بعضها ممن لم يحترق بالكامل وقرأت “أحلم أن أصبح كوافيرة”٫ “أحلم بالأمان”٫ “أحلم بطفلة جميلة”٫ “أحلم بالحرية”٫ “بدي السلام”٫ إيثار المتسخّة من رأسها حتى قدميها العارتين الغارقين بالشحّار تقف أمام عدستي وتقول لي “مو قلتلك يا آنسة زينة نحنا ما بيلبقلنا نحلم٫ لسه بتقوليلي كلشي ممكن٫ نحنا النسوان ما منقدر نكون أكتر من زوجات وأمهات وبس٫ كلشي ضدنا”.

المشهد الرابع: مشهد مُؤذي

يقف أمام حطام منزله في حي الصاخور بلا ملامح وبثياب ممزقة٫ يصرخ ملء رئتيه سارقاً القليل من الأوكسجين الموجود في الهواء٫ “اسعاف٫ اسعاف”٫ يهرع شاب مقاتل لديه خبرة إسعافية باتجاه بقايا غرفة في المنزل حيث يُشير٫ تعود الملامح للرجل الناجي على شكل غضب ويصرخ بالمسعف “حريم٫ فيه حريم مو مغطايين وين فايت!” لا يأبه المسعف لكلماته فهو يسمع صرخات نساء جريحات في الداخل٫ يهمّ بالدخول فيتصدّى له الرجل الغيور على عرضه المدّمى ولو كلفه عدم انكشاف نسائه على المسعف الغريب قتلهن نزفاً٫ يدفعه المسعف بقوة ويدخل.

“سيدتان يرتديان العباءة مكشوفات الرأس في عقدهما الرابع ربما٫ إحداهما مصابة في بطنها والثانية في رأسها وكلاهما دخلتا في الحالة الصدمية من النزيف” يروي المسعف “نجت السيدتان من الموت لكن لابد وأن تُضربا من السيد الغيور لأنهما لم تتغطيا حفاظاً على شرفه هو وهنن تترنحنّ بين الموت والحياة! من أي رحم يأتي هؤلاء الرجال!”.

وعندما سقط برميل متفجر على حي المشهد٫ علقت عائلة كاملة في الطابق الأرضي وبعد محاولات مشت نحو الضوء٫ خطوات وتخرج من الركام٫ اصطّف أفراد العائلة وبمقدمتهم الابنة الصغرى التي لا تتجاوز الاحد عشر عاماً٫ مدّ المسعف يده لها٫ لم تستجب٫ نادى عليها لتعطيه يدها مرة أخرى ليشدّها خارجاً وهي متحجّرة مستنكرة٫ دفعها الوالد “بنتي مديله ايدك لنطلع” مدّتها أخيراً٫ شدّها نحوه فالتصق جسدها النحيل به ووضعها جانباً وهي كخشبة خجلة  “الموت خنقاً تحت الأنقاض أهون من أن تُفضح بين جيرانها والأهل لأنها ارتكبت جريمة ملامسة المُسعف الغريب”!

 

المشهد الخامس: ذكورية الموت والظلم

بين هيكلين عظميين لرجلين امتصّت عذابات الفروع الأمنية روحيهما٫ يرتمى جسدها النحيل ببيجاما سوداء على التراب٫ حجاب رأسها ملفوف على رقبتها بينما تتلوّى خصل شعرها متكدّسة فوق رأسها٫ ربما اقتادوا جثتّها فيها إلى القبر الجماعي.

كالنائمة تغمض رحاب علاوي عينيها بسكينة٫ لا تلتفت للمصور الواقف فوقها ولا للأجساد المُعذّبة حولها٫ تمد يدها نحو أحدهم وكأنها تمسح جبينه٫ وعلى جبينها سّجل القاتل رقماً بخط مُستعجل

٢٩٣٥/٢١٥ وهو رقم الفرع الذي خرجت منه الجثّة.

صورة رحاب هي الأولى لشهيدة تُسرّب حتى الآن بين ١١ ألف صورة نشرها عنصر سابق يعمل مع نظام الأسد يدعى “قيصر”٫ وعلى غرار نشر صور شهداء التعذيب الآخرين خرجت أصوات تطالب بإيقاف النشر حرصاً على مشاعر أهالي المعتقلين ممن وجدوا صورهم أو مازالوا في طور البحث عنها.

لكن مع صورة المهندسة المدنية الشابّة غرق المجتمع السوري الذكوري بنقاشات أخرى : لا يجوز أن تنتشر صورة فتاة محجبة وهي دون حجاب٫” العرض والشرف” المتجسدّ بجسد المرأة لا يجوز أن يصبح متاحاً على الإنترنت٫دفاع الغيورين على “شرف” الصبية كان انتهاك ذكوري آخر لبطولتها ولجسدها الهامد وإن سبقهم آخر لقتلها فهم يعذّبون روحها٫ وكأنها تحتاج لشهاداتهم “بالعفّة” بعد أن رحلت.

ولو لم تنشر صورتها من قبل جهة إعلامية لما رأيناها بكل تأكيد وربما لم نسمع باسمها أيضاً٫ فاعتقال الناشطة تُهمة ستُحاسب عليها إن خرجت حُرّة٫ مع شُبهة تعرّضها للاغتصاب٫ حيث تُحاسب في هذه الجريمة الضحية فقط “فوق الموتة عصّة قبر”.

وإن ماتت لن تنجو من جدالاتٍ تطال شرفها أيضاً!

حتى تلك الشهيدات اللواتي تقضين قصفاً تتحفظ عائلاتهنّ عن ذكر أسمائهنّ٫ أحياناً لأنهم مازالوا في مناطق النظام ويخافون من انتقامه لأنه قتل ابنتهم! وبالغالب لأن اسم الفتاة كما جسمها وصوتها ونشاطها في المجتمعات المحافظة٫ عوررة ندفنها مرات ومرات حتى ندرأ أية فتنة محتملة.

حظيت بشرى شيخو٫ التي قضت بقصف النظام لمشفى دار الشفاء الميداني في حي الشعار بحلب عام ٢٠١٢ بقبر وشاهدة عليها اسمها وقبله “الشهيدة”٫ لكن نشاط الصبية العشرينية الثائرة التي تركت عائلتها وحيّها واختارت أن تحيي المحتاجين تحت براميل الموت بقي مع رفاقها المقرّبين فقط٫ لا مواد تخلّد شجاعتها٫ لا فيديو ولا صور.

كذلك عبير الشب٫ والمُلقّبة ببيان٫ استشهدت عندما كانت توزع سللاً إغاثية بحي المرجة عام ٢٠١٣٫ هي أيضاً مهاجرة للحرية وشهيدة في سبيلها٫ يطرق اسمها جرساً مرتبكاً حتى عند نشطاء حلب٫- لا معلومات واثقة وأكيدة مع صورة وعزاء افتراضي على الأقل- يليق بتضحيتها كما نحتفي بنشطائنا الشهداء الذكور.

لا شوارع بأسماء شهيداتنا٫ لا منظمات٫ لا مدارس٫ مسابقة واحدة فقط أطلقتها منظمة “سوريات لأجل التنمية” اختارت اسم ثائرة لتربطه بها٫ وهي سميرة الخليل المخطوفة من مدينة دوما الواقعة تحت سيطرة المعارضة منذ أكثر من سنة مع صديقتها وأبرز الثائرات رزان زيتونة.

أما كل الأسماء الأخرى كما الإنجازات وحكايا البطولات المُسجّلة فمحجوزة للأبطال الماثلين أمام الستارة٫ ممن يخضون معاركاً أقل٫ولا يُعيب ظهورهم العلني مُجتمعاتهم ويمّس ”شرفه وعرضه”