أصبحت الوساطة من الممارسات الراسخة في حالات الطلاق بالنسبة للعديد من قضاة محاكم الأسرة المغاربة. وقد تطورت هذه الممارسة بفضل برنامج شراكة بين مركز كفينفو، وإدارة الدولة في كوبنهاجن، ووزارة العدل المغربية. وهدف البرنامج هو تعزيز حقوق المرأة في حال الطلاق

عن المدونة، قانون الأحوال الشخصية المغربي للعام 2004

كان من شأن إعادة النظر في المدونة في العام 2004 أن استحقّت  المرأة المغربية العديد من الحقوق المهمة، بما في ذلك حقها في أن تكون ولية نفسها، وحق طلب الطلاق، وحضانة الأطفال، كما رفع القانون عمر الحد الأدنى للزواج من 15 سنة إلى 18 ولم تعد المرأة بحاجة إلى موافقة ولي أمرها  قبل الزواج.

اقرأي المزيد عن الإنجازات والتحديات في تقرير،  تطبيق مدونة قانون الأحوال الشخصية المغربي 2004: التقييم والتوصيات

تدريب قضاة محكمة الأسرة

تلقى ما مجموعه 75 قاضيا من العاملين في محاكم الأسرة في المغرب تدريبا على الوساطة خلال دورة برنامج الشراكة  (2008- 2013) التي تمت بالتعاون بين وزارة العدل المغربية، ومركز كفينفو، وإدارة الدولة في كوبنهاجن. وتم التعاون ضمن  مشروع كفينفو وعنوانه، "تعزيز حقوق المرأة والوصول إلى العدالة في النظام القضائي المغربي"، والذي موّلته وزارة الخارجية الدنماركية كجزء من برنامج الشراكة الدنماركية- العربية.

أشرفت على البرنامج ليسه  دولنر، مستشارة التنمية وخبيرة الوساطة في إدارة الدولة، والتي كانت مسؤولة أيضا عن تدريب سبعة قضاة مغاربة كمدربين للوساطة، كما قامت – بالتعاون مع حميد الفضلي والقاضيان عمر لامين (Lamine) ونادية ميزاوير (M’Zaouir)- بإعداد دليل تدريب على الوساطة، يقدم توصيات وأدوات لقضاة محاكم الأسرة في المغرب. ويهدف دليل التدريب إلى ضمان أن يستفيد المجتمع المدني في المغرب من تقنيات الوساطة.

يعكف الشركاء حاليا على تطوير مشاريع جديدة حول تقنيات الوساطة وكيف يمكن استخدامها في تطبيق المساواة في الحقوق وتعزيز حقوق المرأة.

الصور من مؤتمر بعنوان، "عالقون بين قوانين الأسرة: والنوع الاجتماعي، والقانون والدين- تجارب من الدنمرك والمغرب"، الذي عقد في الفترة من 4- 5 ديسمبر 2014 وقدم خلاله كل من حميد الفضلي  ومحمد على الهشو (El Hichou) بيانا عن التجارب حول الوساطة.

الصورة: جينز جول

اتفق حميد الفضلي ومحمد على الهشو على: أن الوساطة أثبتت أنها أداة مهمة في عملهم كقضاة في المغرب، خاصة في حالات الطلاق.

بيّن محمد على الهشو، رئيس قسم الأسرة ونائب رئيس المحكمة في شفشاون (مدينة في شمال غرب المغرب)، خلال مقابلة مع مركز كفينفو في كوبنهاجن بأن، "إحدى منافع الوساطة هو أنها تساعد الأطراف إلى الاستماع إلى بعضهما. فعندما  يُصبح الزوج أكثر إدراكا لاحتياجات زوجته، حتى يصبحَ أكثر تفهما لمخاوفها."وكان قد أنهى تدريبه على الوساطة مع زميله حميد الفضلي، وخمسة قضاة آخرين، وهو الآن يدرب قضاة مغاربة آخرين على الوساطة- وهي طريقة ستنفذ بأعداد قليلة من قبل نظام محكمة الأسرة المغربية.

استغرق برنامج التدريب الفترة من 2008 إلى 2013 كجزءٍ من مشروع كفينفو حول "تعزيز حقوق المرأة والوصول إلى العدالة في النظام القضائي المغربي"، بهدف تطبيق حقوق متساوية وتعزيز حقوق المرأة في القضايا التي تعرض على محاكم الأسرة المغربية.

من الضروري وجود أحد القضاة حين يطلب الطلاق أحد الزوجين المرتبطين بزواج. ويُمنح الطلاق من قبل القاضي. وفي حين أنه لا يحق للقاضي رفض منح الطلاق، إلا أنه قد يطلب إجراء مصالحة.

تقول لينه انجفارتسن، كبيرة مستشاري البرامج والتمويل في دائرة كفينفو للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، "يجب على القاضي أولا وقبل كل شيء أن يسعى لمصالحة الطرفين بهدف تجنب الطلاق. فإن لم تكن المصالحة ممكنة، فإنه ينبغي عليه التوسط لضمان حدوث أقل قدر ممكن من النزاع خلال عملية الطلاق."

متطلبات المصالحة أدرجت في المدونة. أي قانون الأسرة المغربي، الذي تمت مراجعته في 2004 والمعترف به لضمان تشكيلة جديدة من الحقوق  للمرأة بما يتفق وأحكام الشريعة الإسلامية، ومكونات الهوية الأساسية بالنسبة للعديد من المغاربة. أحد التعديلات المهمة كان إدخال بند "الشقاق"، كسبب وجيه يحق للمرأة بموجبه طلب الطلاق. اليوم، أصبح تصريح المرأة بأن الصلح مستحيل كافيا لمنحها الطلاق.

لذلك، فإن قانون الأسرة الجديد يضمن- رسميا- مَدخلاً متساوياً للطلاق للرجل والمرأة. الوساطة أدخلت كجزء من المراجعة، لكنها طريقة تطبق في حالات لا تكون المصالحة فيها مستحيلة.

يشرح محمد على الهشو الوضع قائلا:

"إذا تم التوصل إلى قرار بفك رباط الزواج، عندها تساهم الوساطة في تطوير فهم متبادل. في مثل هذه الحالات، فيجب على المرء أن يركز على المستقبل، بحيث تُوفِّر الوساطة للقضاة أداة لمعالجة هذه القنبلة الزمنية، والتي تنتشر دائما في قضايا الطلاق. فالطلاق لا يعني نهاية الأمور، بل هو ببساطة بداية لإعصار من القضايا التي تتعلق بحضانة الأطفال، وحقوق الزيارة، والنفقة."  

 

 القضاة المحافظون يقفون عائقاً في طريق التطور

 

في حين أن من المؤكد بأن المدونة تعتبر تطورا كبيرا فيما يتعلق بحقوق المرأة مقارنة بتشريعات الدول الأخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فما زالت هناك عوائق واضحة تعترض تطبيق الوساطة في محاكم الأسرة المغربية، كما تقول لينه انجفارتسن. وكان مركز كفينفو قد قام قبل إطلاق المشروع، بمهمة لتقصّي الحقائق في المغرب، كانت تشير إلى احتمال أن يواصل القضاة المحافظين محاباة الرجال خلال إجراءات الطلاق، على الرغم من أن المدونة تنص بوضوح على الأسباب التي تبيح للمرأة طلب الطلاق.  

تقول لينه انجفارتسن، "قد تتقدم المرأة بطلب الطلاق ضد رغبة زوجها. في مثل هذه الحالة، قد يحاول قاض محافظ- لا يؤمن بحق المرأة في طلب الطلاق- أن يعرقل عملية المصالحة. وهي ببساطة خطة مصممة لإرهاق المرأة كي تقوم في النهاية بسحب طلبها. ثمة تحيز لصالح الرجل هنا، لأنه، تقليديا، كان من الأسهل بكثير على الرجل الحصول على الطلاق،" وتضيف، "هناك متطلبات أعلى بكثير مفروضة على البيانات التي تتقدم بها المرأة في مثل هذه الحالات."

إذا تمت الموافقة على طلب المرأة الطلاق، فبالمثل قد يحابي القاضي الرجل فيما يتعلق بحضانة الأطفال، والنفقة. بكلمة أخرى، هناك نوع من الجمود المستمر داخل النظام، يمنع منح حقوق متساوية للطرفين في الطلاق. وبالتالي فإن التدريب على الوساطة يهدف إلى اقتراح طرق جديدة على القضاة للنظر في قضايا المواطنين في المغرب. التدريب الذي أكمله محمد علي الهشو وزملائه هو جزء من مشروع مشترك بين كفينفو، وإدارة الدولة في كوبنهاجن ووزارة العدل المغربية. وقد تم تدريب ما مجموعه 75 قاضيا على تقنيات الوساطة خلال المشروع، والذي أشرفت عليه مستشارة التنمية وخبيرة الوساطة ليسة دولنر من إدارة الدولة. 

الوساطة- نهج عالمي

يعتقد محمد على الهشو بأن الوساطة تعمل في النظام القضائي المغربي بطريقة مماثلة تماما لعملها في إدارة الدولة في كوبنهاجن:

"الوساطة هي آلية موضوعية وحيادية، وبالتالي فهي نهج عالمي. بغض النظر عن البيئة الجغرافية، فإن الوساطة تتعلق بالتعبير عن مشاعر واحتياجات الأطراف المشاركة."

وتفسر لينه انجفارتسن الوساطة في سياقها المغربي، على أنها تركز غالبا على جعل الرجل يقبل بالحقوق القانونية للمرأة:

تقول، "تهدف الوساطة إلى تحقيق نتائج مقبولة من الطرفين. وحيث أن القانون المغربي يحابي تقليديا الرجل، فإن هدف الوساطة هو غالبا حماية حقوق المرأة وفي الوقت نفسه ضمان ألا يستخدم الرجل وسائل أخرى للرد، مثال ذلك، إن لم يعجبه حكم المحكمة المتعلق بالنفقة، فقد يتقدم بطلب للحصول على حضانة الأطفال. وهذا مماثل بشكِ كبير  للوساطة التي تقوم بها إدارة الدولة في كوبنهاجن. فمن خلال الوساطة يتمّ  تُجَنّب المتخاصمين في قضايا الطلاق من اللجوء للمحاكم وقضاياها التي يشعر فيها أحد الطرفين- وهو غالبا الرجل في المغرب- بأنه قد تعرض للظلم نتيجة حماية المحكمة لحقوق الطرف الآخر."   

في المغرب، تتعقّد القضايا بحقيقة أن الأطراف لا تعي غالبا حقوقها القانونية. وذلك راجع إلى الفوارق الواسعة ما بين المناطق الحضرية والريفية. معدلات الأمية في المغرب هي من ضمن أعلى المعدلات في العالم العربي. وفي المناطق الريفية، لا يعي الناس حتى أبسط حقوقهم الديمقراطية. 

 تقول لينه انجفارتسن، "الرجال المحافظون من حملة الأفكار القديمة المتعلقة بحقوق النوع الاجتماعي يجدون صعوبة خاصة في قبول دفع النفقة." 

القضاة صغار السنّ منفتحون

في المغرب، الفئة التي تبنّت تقنية الوساطة هي بشكل خاص القضاة الأصغر سنا.

تبين لينه انجفارتسن، "هم في الغالب أقل تحفظا. فالقاضي صغير السن يكون في الغالب أكثر ميلا لإعطاء المرأة الحقوق المستحقة لها بموجب القانون. هذا التغير البسيط في المشاعر يشكل مساهمة في تحسين أوضاع المرأة."

ويعمل التدريب على الوساطة أيضا على زيادة الوعي حين يصبح القاضي أكثر تفهما للمقاصد الحقيقية للقانون. يمتلك القضاة في المغرب، في جوانب محددة من القانون، سلطة واضحة على تفسير القانون، كما أنهم يتمتعون بقدر كبير من الاحترام في البلد:

"أطلق أحد القضاة دعابة تقول، في المغرب هناك الله، والعائلة المالكة، والقضاة. وتساهم مكانتهم الاجتماعية العالية بوضوح في نفوذهم. فإذا قال القضاة أن حقوق المرأة مدونة بالفعل في القانون، فإن هذا سيساهم بشكل كبير في تنفيذ حقوق المرأة."

في حين كان القضاة السبعة الذين تم تدريبهم لكي يدربوا قضاة آخرين متشككين في البدء، حسب قول ليز دولنر، إلا أنهم تبنوا مفهوم الوساطة فيما بعد:

تشرح ليسه  دولنر الأمر، "في البداية، قُوبلنا بمقاومة من القضاة الذين لم يفهموا القصد من الوساطة. لكنهم، بالتدريج وخلال مسار الدورات التدريبية، خَبِروا دور الوساطة، والتأثير الذي يمكن أن تُحدِثَهُ على العملية، وتمكنوا من فهم الوساطة بوصفها طريقة تجميع، تجعل من المصالحة جزءا من عملية الوساطة."

في المؤتمر حول النوع الاجتماعي، والقانون، والدين المنعقد في المغرب تحت عنوان "عالقون بين قوانين الأسرة، والنوع الاجتماعي، والدين- تجارب من الدنمارك والمغرب"، المنعقد في ديسمبر 2014 في كوبنهاجن، تحدث محمد علي الهشو عن الكيفية التي غيرت فيها الدورات  التدريبية رأيه حول إمكانات الوساطة في قضايا الطلاق:

قال القاضي، "أقنعت ذات مرة امرأة تطلب الطلاق بالعودة إلى زوجها. في ذلك الحين اعتبرت هذا الأمر عملية مصالحة ناجحة. لكن بعد عام، اقتربت مني جدة المرأة وأخبرتني بأن المرأة- وهي ضحية عنف منزلي- حامل الآن وقد هجرها زوجها. لم أعد أعتبر تلك القضية نجاحا، ولو عرضت على تلك القضية اليوم لعالجتها بشكل مختلف." ثم أضاف، "ليس من الضروري إنقاذ الزواج دائما."