تم وضع دساتير جديدة في العديد من الدول العربية بعد الربيع العربي عام 2011. وتبين أن تلك كانت فرصة ذهبية لتعزيز حقوق المرأة، لكن المنظمات النسائية شهدت أيضًا معارضة قوية من القوى السياسية المحافظة. وقد اجتمع عدد قليل من شركاء مركز كفينفو في مصر، وتونس، واليمن، والأردن في تونس بهدف تبادل الخبرات بشـأن تحقيق أكبر قدر من التأثير خلال عمليات إصلاح الدستور.

صندوق الحقائق

تباينت التطورات بشكل هائل في مختلف الدول العربية بعد موجة الثورات في 2011. وفيما يلي استعراض لأوضاع الدول المشاركة في المؤتمر:

تونس:بعد الثورة، جرت انتخابات المجلس التأسيسي التونسي (البرلمان) في أكتوبر 2011. وخرج حزب النهضة الإسلامي المعتدل كأكبر حزب من دون الحصول على الأغلبية المطلقة، وكان الدستور الجديد نتيجة تسويات مع المعارضة. وبعد مناقشات مطولة وحامية، تم في النهاية إقرار الدستور في يناير 2014.

 

مصر: حصلت على دستورين جديدين منذ الثورة. الجمعية التأسيسية الأولى للعام 2012 سيطر عليها الإخوان المسلمون لكن بعد أن أقصى الانقلاب العسكري الرئيس مرسي والإخوان المسلمين في يوليو 2013، أعيد إطلاق العملية. وتم إعداد مسودة دستور من قبل لجنة مكونة بالكامل من محامين قبل عرضها على لجنة استماع من 50 عضوًا تضم ممثلين عن المجتمع المدني. تمت في النهاية المصادقة على الدستور في يناير 2014.

 

الأردن: قادت المظاهرات في الأردن في 2011 إلى قيام الملك بإقالة الحكومة ووعده بإجراء إصلاحات ديمقراطية. وعلى الرغم من المصادقة على قوانين جديدة للانتخابات والأحزاب، فلم يتبع ذلك إصلاحات شاملة. ويحتفظ الملك بسلطات سياسية مطلقة في البلد.

 

اليمن: بعد الثورة توصل مؤتمر للحوار الوطني إلى اتفاق حول مبادئ دستور المستقبل في يناير 2014. وتبع ذلك تشكيل جمعية تأسيسية، لكن العملية كلها توقفت بعد احتلال العاصمة صنعاء من قبل مليشيا الحوثي في يناير 2015. فر الرئيس من البلد، ونصبت مليشيا الحوثي رئيسًا خاصًا بها بقي من دون اعتراف من المجموعات السياسية الأخرى في البلد، واندلع القتال فيأرجاء البلدكافة.

 

ترجم هذا المقال عن الدنمركية: ماريا زنارو

تعرض الوفد اليمني الذي وصل إلى المؤتمر في ديسمبر بهدف مناقشة أفضل الممارسات لتعزيز المرأة والمساواة في الحقوق عند كتابة الدساتير الوطنية الجديدة لخيبة أمل. فبعد أن تمكنت تلك المجموعة من تسجيل عدد من الانتصارات المهمة - تحت ضغط كبير- خلال الحوار الوطني الذي سبق تشكيل اللجنة الرسمية للإصلاح الدستوري، يبدو أن السياسيين الأعضاء في اللجنة قد تراجعوا عن وعودهم في الوقت الحالي.

"العديد من السياسيين الذكور مستعدون لتقديم تنازلات تمخضت عن تقييد حقوق المرأة"، تقول بلقيس أبو أصبع وقد بدا عليها الإحباط بوضوح. وهي بروفيسور العلوم السياسية في جامعة صنعاء ورئيسة "تحالف متطوعون من أجل حقوق النساء" وهي منظمة تضم مختلف المجموعات النسائية اليمنية العاملة في مجال تعزيز حقوق المرأة

الطريقة التي تمكنت بها المرأة التونسية - وإلى حد ما المصرية - من وضع بصمة واضحة لهما على دستوري بلديهما فيما يتعلق بالمساواة وحقوق المرأة، كانت ملهمة بالنسبة لبلقيس أبو أصبع وعدد من المشاركات الأخريات في الاجتماع.

الحوار بدلاً من المواجهة

في المؤتمر شرحت أنوار نصري من "رابطة الناخبات التونسيات" كيف قامت المنظمات النسائية التونسية بعدد من الخيارات الاستراتيجية منذ البداية.

"قررنا تجنب المواجهة. وبدلاً من ذلك ركزنا على خصومنا العقائديين." تقول أنوار نصري مقدمة مثالاً عن ورشة عمل، حيث جاءت امرأة محافظة من حزب النهضة الإسلامي، والتي كانت في البدء تؤمن بدستور يقوم فقط على الشريعة الإسلامية، واقترحت البدء بحوار يضم كلالأطراف ويتعلق بالدستور الجديد.

وشرحت في العرض الذي قدمته قائلة، قررنا استغلال خطوطهم الفكرية وفي الوقت نفسه التركيز على الجوانب الإيجابية. وقد انبهرواوأعجبوا بقوة موقفنا. وروت مثالاً كيف أن المجموعة النسوية استخدمت آية من القرآن توبخ فيها المرأة- ليس لأنها أنثى، بل لقلة إيمانها بالله. وتبين هذه الآية كيف أنه، وفقًا لما جاء في القرآن الكريم، لا مانع أمام تولي المرأة الحكم.

تقول أنوار نصري، وهي محامية مجازة، "نحن نتمسك بمبدأ أن الإسلام وحقوق الإنسان متوافقان تمامًا."

الخطوط التفكيرفي التعليل فعالة للغاية

اتضح هذا النهج لمشاركات غير تونسيات: مثال ذلك، في حين أن "اتحاد المرأة الأردنية" يعمل وفق برنامج علماني، فإنه غالبًا ما يطرح خطًا دينيًا في التفكير.

تقول هلا ديب، وهي محامية تعمل مع المنظمة "من الأجدى استخدام المصادر نفسها لمواجهة خط تفكير ديني ببيان ديني آخر." والتي أكدت مع هلا سالم من "مركز القدس للدراسات السياسية" على أن الأردن أقرب إلى المجتمع القبلي اليمني التقليدي من دول مثل تونس ومصر.

تقول هلا ديب، "ليس من السهل العثور على علماء دين إسلامي مستنيرين في الأردن. ونحن مجبرين على تطبيق تفسيراتنا الخاصة، والتي قد تتسبب في مشاكل. وقد اعتاد الناس الرجوع إلى الأئمة." كما أن الإخوان المسلمين في الأردن غير منفتحين على الحوار حول حقوق المرأة كما في مصر.

بشكل عام، تحرك كل شيء بخطوة أبطأ بكثير في الأردن. لم يكن هناك ثورة، بعض التغييرات الدستورية الطفيفة فقط.

وتقول، "علينا التركيز على إصلاحات صغيرة تتعلق بالمسائل الأكثر أهمية." وتضيف، "وينبغي علينا إعطاء الأولوية للمسائل التي تؤثر على الحياة اليومية."

 

المشاركة الشعبية: عماد الحملة

من أجل دفع الحوار لما هو أبعد من الطبقات الثرية في مجتمع العاصمة، صار التأثير على المواطنين العاديين أحد أعمدة حملات رابطة الناخبات التونسيات والمنظمات النسائية الأخرى في تونس. وتعلق أنوار نصريقائلة، "لن تحقق الكثير إن لم يكن هناك مشاركة شعبية." وهذا هو سبب تركيزهن على النساء في المناطق الريفية وتطوير أدوات لتعزيز الحوار والاتصال.

وتضيف، "حاولنا تعزيز الشعور بالإبداع." حيث أقامت رابطة الناخبات التونسيات، بالتعاون مع المنظمات المحلية، فاعليات توظفالإبداعات مثل الغناء والرسم، وتمكين النساء الأميات وأطفالهن من المشاركة في فصول دراسيةحول الحقوق، والصحة، والمشاركة في الانتخابات- تقوم كلها على تجارب النساء الخاصة. كما حاولن استهداف الشباب في هذا العمل

 

حملة ضد النساء

تشرح اليمنية بلقيس أبو أصبع كيف نجحت تكتيكات عدم المواجهة خلال الحوار الوطني في اليمن.

تقول، "كانت استراتيجيتنا أن نخفض حدة صوتنا وأن نتجنب المواجهات. كان يمكن للمواجهات أن تدمرنا. بخفض صوتنا، نجحنا في زيادة كوتا المرأة خلال الحوار الوطني." خلال الحوار الوطني شكلوا ورش عمل بهدف تعزيز الاعتراف بحقوق المرأة، لكن من دون مواجهة مباشرة مع المعارضين السياسيين.

تمخضت هذه الاستراتيجية عن نتائج حاسمة- ليس أقلها تطبيق كوتا بنسبة 30 بالمئة للنساء خلال الانتخابات والتعيينات اللاحقة- رغم أن اليمين الديني لم يتجاوب بأي حال من الأحوال مع اللهجة التصالحية.

وقد أشارت إلى أن "العديد من النساء تم وصفن بأنهن ملحدات. وتمت معاملتهن بطريقة مهينة،" في حديثها عن الحملة ضد العديد من المشاركات في الحوار الوطني. وخلافًا لتونس ومصر، قاد هذا إلى تباعد ما بين المجموعات النسائية الأكثر ليبرالية والنساء المتدينات والمحافظات في اليمن. بعض الناشطات السياسيات اخترن تبعًا لذلك إعطاء الأولوية لولائهن الحزبي على حساب الأجندة السياسية للمرأة .

وتضيف، "انتهى بنا الأمر منقسمات إلى مجموعتين. حاولنا التخفيف من حدة النزاع وإقناع الأخريات بضرورة التكاتف معًا- لأنه بخلاف ذلك لن نحصل على شيء."

 

 

تحالفات ضرورية

شددت الناشطات المصريات والتونسيات في المؤتمر على أهمية تكاتف الناشطات السياسيات والمنظمات النسوية وبناء تحالفات مع أطراف مهتمة أخرى، بما في ذلك السياسيين والناشطين الذكور والمجموعات النسائية في المنظمات الأخرى.

تقول ميساء حسن من "مؤسسة المرأة والذاكرة" في القاهرة، "الحقيقة المؤكدة هي أن بعض الناشطات النسائيات إسلاميات. الجمعية التشريعية تضم عضوات من الإخوان المسلمين. ونحن نتكون من ليبراليات ويساريات، صغارًا وكبارًا. نحن جميعًا متفقات على حد أدنى من برنامج." وهن يعملن على حمل وجهات نظر متوافقة حتى لا يستغل معارضيهم السياسيين أي عدم توافق في البيانات التي قد تصدر من مختلف المجموعات النسائية.

وتضيف، "المساعدة القانونية تعيننا على التواصل بوضوح. ونعمل دائمًا على استخدام التعابير القانونية الصحيحة والمقنعة نفسها."

تخشى بلقيس أبو أصبع من أن يتم اختزالبيانات الحوار الوطني الواسعة في اليمن لتصبح نسخة باهتة عن المسودة النهائية للدستور. وقد يشهد ذلك، هبوط الكوتا النسائية البالغة 30 بالمئة في قوائم الترشيح أو التعيينات العامة إلى فصل الأحكام الانتقالية. فحتى هذه اللحظة، لم تطبق الكوتا النسائية على ترشيحات الجمعية التأسيسية.

العملية المتعلقة بالجمعية التأسيسية كانت بالمثل غامضة- ما جعل من الصعب متابعة التطورات يوما بيوم والرد بشكل مناسب على التحولات الجديدة للأحداث خلال العملية. 

 

الرمال السياسية المتحركة

لم يصبح الوضع بالنسبة للمرأة اليمنية أسهل بلجوء الكيانات السياسية الأخرى لاستخدام القوة. فمنذ مؤتمر تونس، بدأت مليشيات الحوثي هجومها وأقامت حكومتها الخاصة في صنعاء، وانتشر القتال فيأرجاء البلدكافة. وتطالب مليشيا الحوثي- علاوة على تغييرات أخرى- تعديل الجمعية التأسيسية وتغيير في مسودة الدستور شبه المنتهية. ومع أن التفاصيل لا تزال غير معروفة حتى هذه اللحظة، فالأغلب أن تكون في غير مصلحة المرأة.

في حين أن من المستحيل التنبؤ بالنتيجة النهائية للوضع في اليمن، فإن مؤتمر تونس يوفر خبرة في مجال الملاحة في بحر التغيرات السياسية.

"تغير الوضع بشكل أساسي حين حصل الإخوان المسلمون على الأغلبية في الجمعية التأسيسية،"تبين ميساء حسن مشيرة إلى أول انتخابات بعد الثورة  في مصر عام 2011. حيث تلقت المنظمات النسائية إشعارات بأن قضايا النوع الاجتماعي سوف تستثنى من الدستور الجديد وأن قوانين الإرث ستبقى على حالها.

"لم يكونوا منفتحين لطلباتنا. لكننا وافقنا، وأن علينا التعاون مع من يكن في السلطة بهدف تعزيز قضيتنا."

وفي حين أنهن لم يحصلن على الكثير فيما يتعلق بالدستور الذي تشكل خلال إدارة الإخوان المسلمين، فإن عملهن الميداني الموسع أعطى أكله بعد أن أزاح الجيش الرئيس مرسي عن السلطة في 2013 وأعاد لاحقًا إطلاق عملية الإصلاح الدستوري.

طلب النظام العسكري منمجموعة من القضاة الميالين للنظام الأبوي أن يكتبوا مسودة دستور جديد، الذي عرض فيما بعد خلال جلسة استماع بحضور لجنة من 50 عضوًا.

"كان أول انتصار هو ترقية عضو خبير في اللجنة"، تقول سلمى النقاش من منظمة "نظرة للدراسات النسوية"، وهي تشرح كيف نجحت حملة منسقة من إصدار عدد من التعديلات المهمة.

ثمة جانب حاسم يتعلق بالنوع الاجتماعي في الدستور"، تقول مشيرة إلى عدد من الحقوق التي تعززت والتقدم في المادة 11 من الدستور التي تنص صراحة على المساواة بين الرجل والمرأة."

وتصر على "أن هذا كله راجع للدفاع القوي الذي مارسته المنظمات النسائية."

 

ورشة عمل للدعوة

تلى المؤتمر الذي استغرق يومًا كاملاً في تونس ورشة عمل من يومين في مجال الدعوة كانت تستهدف بشكل خاص المشاركين اليمنيون في المؤتمر. وكان الوفد متعدد الأفراد مكونًا من أعضاء من تجمع بلقيس أبو أصبع ومنظمة الشباب المعروفة باسم"أجيال من دون قات"، وهي منظمة إقليمية، تتعاون أيضًا مع مركز كفينفو. العديد من أفراد المنظمة سابقة الذكر كانوا صغار السن بشكل واضح، وقد حضر الرجال والنساء المنتسبين للمنظمة المؤتمر في تونس.

رغم إحباطات العملية السياسية في اليمن، سادت ورشة العمل أجواء من التفاؤل والمرح، وتضمنت مختلف التمرينات والأدوار الواجب لعبها. وعلاوة على مهمات أخرى، طلب من المشاركين التعرف على تسلسل العمليات المتعلقة بأعمال الدعوة الفعالة، كمحفز لتمثيل حوار حي.

توصلت المجموعات في النهاية إلى عدد من النتائج: ضرورة الاطلاع علىالبيانات قبل صياغة رسالة سياسية. وضرورة ربط كل تجمع بهدف ورسالة مفردة قبل البدء بالحملة. 

تعلق التمرين التالي بالدور الذي يتعين على كل مجموعة أن تلعبه، حيث منحت كل مجموعة مهمة تتفق مع سيناريو تقوم فيه المنظمات النسائية بحملة ضد زواج الأطفال. إحدى المجموعات تلعب دور البرلمان، والأخرى دور الحكومة، وواحدة دور الرئيس ومستشاروه، ويلعب أحدهم دور شخص تزوج من عروس طفلة، وتمثل إحدى المجموعات وسائل الإعلام، ومجموعة أخرى دور الجهات المانحة الدولية الخ. توكل إلى المجموعة النسائية مهمة تغيير القانون في حين تحاول المجموعات الأخرى تعزيز مصالحها السياسية والمالية الخاصة.

مرة أخرى، يطلق التمرين موجة من الطاقة والضحك الصاخب- خاصة حين يطلب من أصغر الفتيات المشاركات القيام بدور المستشار المتزوج من عروسة طفلة. لكنه رغم ذلك، كان دليلاً واضحًا على التعقيدات المحيطة بهذا المجال- بمختلف فعالياته والعقبات العديدة المحتملة - التي يتعين على المنظمات النسائية والشبابية العمل فيها.

وضع الخبرات موضع الممارسة

الهدف من ورشة العمل المدافعة هو تمكين المشاركين اليمنيين من تحويل ما يستلهمونه من مؤتمر يستغرق اليوم كله إلى خطة عمل مؤهلة وتزويدهم بأدوات متناغمة لإحداث أكبر أثر ممكن خلال فوضى العملية السياسية الحالية.

خلال المؤتمر وورشة العمل، عبر المشاركون اليمنيون مرارًا عن إعجابهم بالنتائج التي حققتها المرأة التونسية. وبادلهم المشاركون التونسيون الاحترام والإعجاب بجهود المدافعات عن حقوق المرأة اليمنية التي لا تكل رغم الظروف الصعبة.

بعد أن قدمت إحدى المشاركات الأردنيات عرضها في اليوم الأول للمؤتمر وصفت بشكل عفوي بلقيس أبو أصبع بالملكة بلقيس، الاسم العربي لملكة سبأ. وقد أثارت المقارنة الكثير من الضحكات، ردت عليها بانحناءة واثقة متواضعة.

في النهاية، بالنسبة لبلقيس أبو أصبع، فإن أهم ما حصلت عليه من تونس ليس التقدير ولا خبرات الآخرين، أو دورات التدريب العملي، بل، "هذا اللقاء زرع أملاً جديدًا فيّ."  حسبما قالت بعد المؤتمر.