قبيل نهاية العام 2008، أطلقت مدرسة التصميم في كوبنهاجن مشروعًا بالتعاون مع تعاونية الأشغال اليدوية النسائية المغربية «شبكة النساء الحرفيات». بعد ست سنوات أكملت أول مجموعة من النساء المغربيات البرنامج. تعلمت النساء خلال الدورة تطوير التصاميم وإدارة الأعمال، وبحثن بعمق في التراث الثقافي المغربي. ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد كسرت الدورة التحيز الثقافي وأعطت المرأة إحساسًا جديدًا بالاستقلالية.

صندوق الحقائق

تتعاون شبكة النساء الحرفيات منذ العام 2008 مع مدرسة الهندسة المعمارية، التصميم والصيانة في الأكاديمية الملكية الدنماركية للفنون الجميلة على مشروع يهدف إلى تطوير المنتجات المغربية اليدوية وتسويقها في السوق العالمي. يقوم مركز كفينفو بتمويل هذا المشروع المشترك من خلال برنامج الشراكة الدنماركية - العربية الذي تدعمه وزارة الخارجية الدنماركية.    

التعاونيات

انبثق نموذج التعاونيات النسائية المغربي كجزء من سياسة الملك محمد الخامس الإصلاحية للعام 2005، التي كانت تهدف، من ضمن قضايا أخرى، إلى تحسين أوضاع المرأة. هذه التعاونيات أماكن يمكن للمرأة أن تعمل فيها وتتعلم مهارات الحرف اليدوية وأن تتلقى مبادئ التعليم والتدريب التجاري.  

تتيح التعاونيات للمرأة تحقيق دخل شخصي، وهو أمر لم يكن ممكنًا بالنسبة لها قبل إصلاح قانون الأسرة المغربي في 2004.
 
 
منتجات جميلة وبسيطة من أساور متشابكة من حرير الصبرا الناعم الملون، ووسائد بنفسجية بحواف مطرزة، وحقائب كتف مع أزرار منمقة. تعرض على أرفف من خشب الصنوبر يقف خلفها جدار عار. تبدو للمرء وكأنها شريحة صغيرة من اسكندنافيا، لكن الحرارة، والألوان، والأصوات التي تعج من السوق المزدحم في الخارج، ورائحة الشاي بالنعناع الموضوع على منضدة العمل الكبيرة تخبرنا حقيقة أننا موجودون في الواقع وسط المدينة في مراكش.  

هذا المنزل المرتفع، ذو الواجهة الضيقة هو مقر «شبكة النساء الحرفيات» (Reseau Femmes Artisanes ) وهي تعاونية للحرفيات المغربيات. ويوجد خلفها ساحة مغربية تقليدية مظللة يسمونها الرياض. إلا أن هذا ليس منزل أسرة متعددة الأجيال. فضمن الجدران الباردة توجد ورش عمل ونساء مشغولات بالتطريز والخياطة على ماكينات صناعية كبيرة.
منذ العام 2008 وشبكة النساء الحرفيات تتعاون مع مدرسة التصميم في الأكاديمية الملكية الدنماركية للفنون الجميلة في مشروع يهدف إلى تطوير منتجات الأشغال اليدوية لعرضها في السوق العالمي. جاءت فكرة هذا المشروع من جريث ويبر من الأكاديمية الدنماركية للفنون الجميلة، التي اتصلت بمركز كفينفو، الذي اعتمد بدوره على شبكة اتصالاته الواسعة مع المنظمات المدنية المغربية لحملها على الاعتراف بشبكة النساء الحرفيات كشريك ملائم للمشروع. وعلاوة على لعب مركز كفينفو دورًا مستمرًا في تسهيل هذا المشروع، وفر أيضًا دعمًا ماليًا طيلة فترة مشاركته في برنامج الشراكة العربية المغربية الذي تدعمه وزارة الخارجية الدنماركية. 
 
استخدم الطلاب الدنماركيين تصاميم المرأة المغربية الكلاسيكية والتقليدية كقاعدة لهم، وطوروا - بالتعاون مع النساء المغربيات - منتجات جديدة واصلت التركيز على المواد والزخارف المغربية تستهوي المستهلكين خارج المغرب أيضًا.  
من جانبهم، اكتسب الطلاب الدنماركيين معرفة مباشرة في العمل ضمن سوق دولي. وحيث أن معظم الملابس تُنتج الآن خارج أوروبا، فإن المعارف التي يكتسبها الطلاب يمكنهم استخدامها فيما بعد حين يخرجون للعمل في صناعة الملابس أو تصميمها، أو أن يصبحوا في نهاية الأمر مصممين مستقلين.   
بالنسبة لكلا طرفي الشراكة، كان طول الفترة التي استغرقها البرنامج أحد الجوانب المهمة في المشروع. الفترة الزمنية الطويلة أتاحت وضع استراتيجية عمل مستدامة، وكانت تعني إمكانية معالجة أية هواجس ثقافية لدى أي من الطرفين وتنحيتها جانبًا. وقد نجحت الشراكة لدرجة أن شبكة النساء الحرفيات فازت بجائزة أفضل المنتجات اليدوية في معرض الرياض الفني الذي عُقد في مراكش في العام 2012.
 

منتجات أبسط

سعيدة شعبوني هي المديرة اليومية لشبكة النساء الحرفيات في المغرب. وتخبرنا عن السنوات الخمس الأولى من التعاون.
 
«خلال المرحلة الأولى من التعاون، ركزنا على أمور مثل أي الألوان نختار. الألوان التي تنجح في كوبنهاجن تختلف عن الألوان التي تنجح هنا في مراكش. مزج أربعة ألوان مختلفة في المطرزات المغربية أمر عادي، بينما لا تستخدم المنتجات الدنماركية سوى لون أو لونين فقط. عمل مخطط مسبق للمنتج كان شيئاً جديدًا علينا، أيضًا. فقد اعتدنا على أن ننفذ مباشرةً الفكرة التي تدور في رؤوسنا حول ما نريد أن ننتجه.»
تضيف سعيدة شعبوني، «خلال تعاملاتنا الكثيرة، لم نتوصل إلى تطوير منتجاتنا وحسب بل طورنا أيضًا ممارساتنا العملية. في البداية، كنا نعمل في تعاونيات من عدة أفراد، كل تعاونية موهوبة في مجال خاص بها: في إحدى التعاونيات، قد تكون النساء ماهرات في الخياطة؛ وفي أخرى قد يكن ماهرات في التطريز. الآن جمعناهم كلهم ضمن شبكة النساء الحرفيات. وقد سهل هذا أمور كثيرة علينا. يمكننا التركيز على برنامج تدريبنا وتعليمنا هنا، ويمكننا إيجاد أماكن مشتركة لبيع منتجاتنا، ويمكننا شراء ما يلزمنا من مواد بالجملة فنقلل من نفقاتنا العامة. في المرحلة التي نمر بها حاليًا، ينصب التركيز على بناء الجانب التجاري للعمل. نحن نعمل هنا مع مدرسة التصميم على تطوير الجانب التجاري والجانب التوزيعي للتعاونية.» 
 
 
على أية حال، لم تكن التصاميم وحدها ما تحسن بفضل التعاون الدولي. ففي مغرب يتحكم فيه الرجل تقليديًا وتشده روابط الأسرة، كانت حقيقة أن تتمكن المرأة من المساهمة في اقتصاد الأسرة تعني الكثير بالنسبة لمكانة المرأة. وتبيّن سعيدة شعبوني بأن النساء أصبحن أكثر استقلالية خلال دورة البرنامج وتغيرت نظرتهن إلى الحياة.
تضيف سعيدة شعبوني، «النساء اللواتي عملن هنا تغيرن. وارتفعت معنوياتهن وثقتهن بأنفسهن. فقد تعرفنا على الثقافة الدنماركية، التي تختلف كثيرًا عن ثقافتنا. في البداية، انتابنا القلق من أن حاجز اللغة والاختلافات الثقافية ستكون كبيرة للغاية بحيث لا نتمكن من العمل معًا - لكن لم تكن هناك أية مشاكل على الإطلاق. هناك اختلافات بالطبع، لكن في وسعنا الحديث عنها دائمًا. وهذا بحد ذاته كان تثقيفيًا للغاية.»
 

تقاليد مشتركة للأشغال اليدوية

تناثر في قاعة عرض «شبكة النساء الحرفيات» عدد من الوسائد المطرزة بلون الفحم الرمادي مع تصاميم غير متناظرة تمثل أغصانًا سوداء تمتد فوق سماء دنماركية شتوية. ضحكت سعيدة شعبوني حين التقطت واحدة منها.
 
وقالت مبتسمة، «جميع الدنماركيات اللواتي جئن إلى هنا أردن شراء هذه الوسائد.» وواصلت مبينة أن تلك الوسائد ليست حتى من منتجات التعاون في التصميم.
سافرت سعيدة شعبوني إلى كوبنهاجن ثلاث مرات خلال دورة المشروع. ولاحظت خلال تلك الزيارات بأن هناك الكثير من التشابه بين التقاليد التصميمية المغربية والدنماركية، حيث يعتمد كلاهما بشدة على الألوان والخامات والزخارف الموجودة في الطبيعة. الاختلاف الوحيد حسبما ترى أن لكل واحد من البلدين منظرًا طبيعيًا مغايرًا. وأضافت بارتعاشة، «وطقسًا مختلفًا.»
 

الدورة كمشروع تصميم بحد ذاتها

باتت سعيدة شعبوني - والنساء اللواتي على وشك إكمال البرنامج التعليمي الأول كاملاً - تفهم الآن مبادئ تطوير الإنتاج والتصميم. لكن الدورة نفسها كانت أيضًا عملية تصميم تخضع لتطوير متواصل. 
 
تقول سعيدة شعبوني، «في كل مرة ننهي فيها جزءاً من الدورة، يكون في وسعنا التخطيط للجزء التالي بناءً على الخبرات التي اكتسبناها. هل هناك أمور غفلنا عنها وتحتاج إلى تثبيت؟ هل هناك شيء يتعين علينا متابعته؟ كل جزء من الدورة طور بناء على الجزء الذي سبقه.»
 
عند استكمال الجزء التالي من الدورة، والذي ركز على الجانب التجاري من الإنتاج، تكون المجموعة الأولى من النساء قد أكملت رسميًا البرنامج كله. إلا أن سعيدة شعبوني ترى أن هذه مجرد بداية مرحلة جديدة من التعاون، حيث أنه هنا ستوضع كفاءة النساء على المحك للمرة الأولى.
 
تقول سعيدة شعبوني، «نحن نبحث الآن عن مجموعات وتعاونيات نسائية جديدة لإدخالها في البرنامج نفسه. وسوف تُكلف المجموعة الأولى بتدريب المجموعة الثانية وهلم جره. يمكنهم المرور على كل الأشياء التي تعلمناها من مدرسة التصميم. وقد بدأنا للتو، بالتعاون مع مدرسة التصميم، بالعمل معًا مع مجموعة من النساء في تونس في مشروع مماثل لمشروعنا.»
الفكرة وراء المشروع التونسي هي أن المرأة المغربية ستكون بمثابة مرشد وقدوة للمرأة التونسية. وسيكن مسئولات بنسبة 100% عن الدورة، الدعم الوحيد الذي سنتلقاه من الدنمارك سيكون ماليًا. الجزء الأول من الدورة سيكون مشروع مدونة مشتركة، وستعمل النساء أيضًا على إيجاد نموذج يمكنهن من تبادل منتجاتهن وتسويقها. 
 

تأسيس شراكة تعمل بشكل جيد يستغرق وقتًا

 في كوبنهاجن، تشدد جريث ويبر - المنسق الدنماركي للمشروع ومديرة المشروع في الأكاديمية الملكية الدنماركية للفنون الجميلة - على أن الأهمية الأساسية هي في أن تستعيد المرأة المغربية افتخارها بحرفتها. حين بدأ المشروع قبل خمس سنوات، اعتقدت النساء أنه سيطلب منا إنتاج سلع مماثلة يرونها في المجلات التي تصور نمط الحياة الفرنسية. ولإثبات بأن هذا لم يكن ضروريًا، بذلت النساء الدنماركيات والمغربيات الكثير من الوقت في الخوض معًا في التقاليد الثقافية المغربية. 
 
تقول جريث ويبر موضحة، «كان ذلك جزءاً مهمًا من العملية؛ وبخلاف ذلك، سيكون عملنا مجرد استعمار محض. قضينا الكثير من الوقت خلال السنوات القليلة الأولى في التركيز على تطوير الشراكة نفسها. وتطلب الأمر فترة ما لبناء الثقة والفهم المتبادل للمشروع الذي نتمتع به اليوم. لم ندخل «كخبراء تصميم» نفرض على النساء المغربيات ما يتوجب عليهن عمله. نحن نعمل كطرفين متساويين ضمن المشروع. وقد تطلب الأمر بعض الوقت قبل أن تتمكن المرأة المغربية من اكتساب ما يكفي من الثقة بالنفس، مثلاً، كي ترد وتصر على استخدام تقنياتها وطرقها. من جهة أخرى، يُعد هذا واحدًا من الأسس بالغة الأهمية للتعاون المتاحة اليوم.»  
 
كان لدى جريث ويبر خبرة سابقة من مشاريع شراكة أخرى دامت لفترات أقصر. وتعرف من وحي خبرتها أن المشاريع الأقصر مدة تكون عادةً أكثر ضعفًا وهشاشة.
«بينت الخبرات السابقة أنك إن لم تخصص قدرًا كافيًا من الوقت للشركة الصغيرة تمكنها من اكتساب موطئ قدم ثابت اجتماعيًا، وثقافيًا، واقتصاديًا فإن المشروع سينهار في اللحظة التي ينسحب فيها الشريك الأجنبي. لإدامة المشروع من المهم أن يكون العاملون فيه أنفسهم قادرين على الوقوف على أقدامهم في جميع المجالات.»
 

اختراق «الجدار»

غالبًا ما تحتاج الظروف غير المنظورة لوقت حتى تُحل. في بداية هذا المشروع، كانت جريث ويبر حريصة على قيام النساء بتسجيل شركة تدفع ضريبة القيمة المضافة. وهو أمر يمكن تحقيقه في الدنمارك ببضع نقرات من فارة الحاسوب ولا يستغرق عادةً أكثر من ساعة أو اثنتين. إلا أنه في المغرب، البلد الذي ورث نظام متاهة ضريبي وضريبة قيمة مضافة من حكامه الاستعماريين الفرنسيين السابقين، فإن عملية تسجيل ضريبة القيمة المضافة قد تستغرق عدة سنوات - خاصة بالنسبة لامرأة ليس لديها رأس مال تبدأ به أو من دون ممتلكات. لذلك كان هذا عائقًا تقيدت به جريث ويبر.
 
العائق الثاني هو إثارة انتباه الجمهور الأوسع من الناس لمهارات، وكفاءات، وعمل شبكة النساء الحرفيات. وتأمل جريث ويبر في إقامة تعاون ما بين شبكة النساء الحرفيات ومدرسة التصميم المحلية في مراكش، بهدف تنبيه شركات التصميم الداخلي والمعماري الكبرى - الفرنسية في الغالب - إلى المصادر التي تمتلكها المرأة المحلية. لكن ينبغي أولاً تحطيم، ما سمته، «جدار» من التحيز الثقافي. ومثل سعيدة شعبوني، تحرص جريث ويبر على رؤية عمل وكفاءة هؤلاء النسوة ينطلق محدثًا آثارًا مضاعفة.
 
تختتم جريث ويبر حديثها قائلة، «خلال العام المقبل، سنبدأ في نشر المشروع على تعاونيات المرأة عبر المغرب كله. حتى لا يضيع كل ما تم إنجازه من عمل هباءاً، فمن المهم عدم التراجع عن هذا الأمر الآن. فقد تطلب المشروع سنوات من التدريب لجعل النساء قادرات على الوقوف على أقدامهن والمضي به قدمًا بأنفسهن.»