لا تخشى المخرجة التونسية رجاء العماري الاستفزاز. فقد استبق فيلمها للعام 2009 وعنوانه «أسرار مدفونة» ثورة 2011 التونسية، وكانت تخوض على مدى سنوات عديدة ثورتها المصغرة التي تهدف إلى تحرير جسد المرأة ضمن صناعة الأفلام التونسية.

صندوق الحقائق

في أكتوبر 2014 فاز حزب نداء تونس الليبرالي، العلماني بالانتخابات البرلمانية، واحتل حزب النهضة الإسلامي المعتدل المرتبة الثانية.
 
في يناير 2015 شكل حزب نداء تونس ائتلافًا حكوميًا مع عدد من الأحزاب الصغيرة - لكن من دون حزب النهضة، التي تولت الحكم بعد أول انتخابات في 2011، لكنها استقالت من السلطة بعد الاضطرابات السياسية في 2014.   
 
 لم تكن أمسية يوم الأحد الذي قابلت فيه المخرجة التونسية رجاء العماري في غرفة فندقها في كوبنهاجن مثل أي أمسية أخرى. كان ذلك يوم الأحد 26 أكتوبر - اليوم الذي كان فيه الناخبون التونسيون يدلون بأصواتهم للمرة الثانية غداة ثورة الياسمين 2011.

 
كانت رجاء العماري تنتظر بفارغ الصبر لكن بهدوء معرفة النتيجة. ولم يكن منبع عصبيتها حقيقة أنها تقيم معظم الوقت في فرنسا، بل من حقيقة أن تونس- البلد الذي أطلق شرارة موجة الثورات التي اجتاحت العالم الإسلامي في 2011 - قد تمكنت، خلافًا لجاراتها من إدارة ديمقراطيتها الجديدة على نحو سلمي. 
 
في حين انتهت سوريا، واليمن، ومصر، وليبيا إلى انهيار ديمقراطي، واضطرابات، ونزاعات مسلحة، فقد مضت تونس نحو إقرار دستور ديمقراطي جديد. ومن بين الأمور التي دعمها الدستور الجديد، الذي أُقر بأغلبية برلمانية كاسحة في يناير 2011، حقوق المرأة وتعزيز الحريات الشخصية مثل حرية التعبير وحرية الاعتقاد.
 
لكن رجاء العماري لم تسافر كل الطريق إلى كوبنهاجن لمناقشة السياسة، مجددًا. لأن من الصعب فصل البعد الاجتماعي عن البعد الجمالي في أفلامها، كما تقول هي نفسها.
 
في الليلة التي سبقت لقائنا، كان فيلمها للعام 2009 «أسرار مدفونة» يعرض في دار سينماتكيت (Cinamateket) في كوبنهاجن، كجزء من مهرجان الفيلم التونسي. وهو فيلم رعب وإثارة اجتماعية عن ثلاث نساء - أم وابنتاها- يعشن في قبو فيلا فاخرة إلا أنها متداعية. وهو مكان عملن فيه خادمات أيام عزه، ويجدن أنفسهن الآن وحيدات في المنزل بعد أن هجره الجميع. يعيش ثلاثتهن وفق أفكار وسلوكيات قديمة، معزولات عن العالم الخارجي ويرتبطن ببعضهن بنوع من تعايش غير صحي لا يليق بأم وبناتها. إلا أنه، في أحد الأيام يهتز عالمهن حين ينتقل زوجان شابان، عصريان، ومتحرران، غافلان عن النساء الثلاثة الساكنات في القبو، للسكن في الدور العلوي.
 

قصة رمزية عن عدم المساواة في تونس

يشكل فيلم «أسرار مدفونة»، بطرق عدة، شهادة على الانشقاقات الثقافية والاجتماعية قبل الثورة، وهي انشقاقات تهدد وتضرب تماسك المجتمع التونسي تحت حكم الديكتاتور السابق زين العابدين بن علي - وهو مجتمع مشبع بالقمع وعدم المساواة الاجتماعية.
 
- يمكن النظر إلى فيلم أسرار مدفونة على أنه قصة رمزية - سواء فيما يتعلق بشخصيات الفيلم أو بالمكان الذي تدور فيه الأحداث. جغرافية المكان مكنتني من تصوير الاختلافات بين طبقتين اجتماعيتين في المستوى الاجتماعي وفي الاتصالات - أو في الافتقار إليها. عالمان متواجدان جنبًا إلى جنب، لكنهما لا يتداخلان أبدًا. إنه تعليق على الواقع الاجتماعي لذلك الزمن.
 
- ما يحدث في الفيلم ينتهي إلى الحدوث في تونس خلال الثورة. هنا يوجد مجتمعان متوازيان، الثورة جعلت التونسيين يدركون فجأة بأن هناك آخرين في البلد يعيشون بطريقة مختلفة تمامًا وبطرق يصعب فهمها تقريبًا. الفيلم فتح عيونهم على وجود عالم لم يجر الحديث عنه أبدًا - عالم يقف في تناقض كامل مع الأحاديث السياسية الدارجة وصورة تونس السياحية، كما تقول رجاء العماري. 
 

النساء وأجسادهن (العارية)

عائشة الجميلة ونصف المجنونة، هي أصغر النساء الثلاث اللواتي يعشن في المنزل، هي العنصر المحرك في الفيلم. رغبتها في الجنس، وفي الكعوب العالية والعيش بحرية تدفع الوضع كله ليصل حد الأزمة. وكما في الفيلم الأول لرجاء العماري، «الحرير الأحمر» (2002) الذي يستكشف العالم المحرم لراقصة شرقية، يتحدث فيلم أسرار مدفونة عن النساء ويصور النساء - وأجسادهن. ولا يقدم الفيلم مشاهد عري تزيد عما يتوقعه المشاهدون وحسب، بل يدرس شهوانية المرأة وميولها الجنسية من زوايا غير معروفة.
 
- العمل مع النساء يثير اهتمامي. أجد في العالم الذي يمثلنه تعقيدات أكثر - ليس في تونس وحسب، بل بشكل عام. النساء يعشن حالات صراع أكثر. ويُسمح لهن بالقيام بأشياء أقل ويواجهن قيودًا أكثر. بشكل عام، لدى المرأة أكثر مما يمكن أن تخسره، لكن لديها أكثر مما يمكن أن تكسبه. 
 
- أجد أن العمل في الجنس وفي أهمية الجسد شيئاً ممتعًا. الحدود الموجودة هي: كيف يتواجد الجسد في عالم معين - وكيف يتم قمعه على الدوام. وكيف يتمكن رغم كل ذلك من التعبير عن نفسه، حتى من خلال العنف. 
 
- تقوم المرأة في الأفلام التقليدية العربية على الدوم بواحد من دورين محددين - إما أن تكون امرأة طيبة أو هي المرأة الشريرة. أنا أردت أن ابتعد عن هذين الدورين الكلاسيكيين. غالبًا ما نقول أننا مهتمون بالمحنة التي تعيشها المرأة، لكننا في الوقت نفسه، نكبحها ونضعها في مكان محدد، تقول رجاء العامري.
 
إلا أن هذه تبقى مقدمة فنية تجعل من الصعب على رجاء العامري أن تعرض أفلامها في بلدها تونس. ورغم حقيقة أن أفلامها لاقت استحسانًا دوليًا واسع النطاق، فلم يعرض فيلمها «الحرير الأحمر» إلا على قناة تونسية واحدة صغيرة - وفي وقت متأخر من الليل. وسرعان ما سيطرت قضية العري على المناقشات. ومع علمها بأن الأمور لا بد أن تسير على هذا النحو، إلا أنها تعتقد أن التركيز على جسد المرأة ضروري.  
 
- لن يُنظر إلى أفلامي قط على أنها ترقى لمستوى المعايير الأخلاقية العامة. فلا يُحكم عليها إلا من باب العري، ويتم تجاهل الباقي. النقاش حولها سرعان ما يتحول إلى جدل حول المدى الذي قد أذهب إليه في أفلامي لمجرد الإثارة.»
 
لكن هل هناك قدر من الحقيقة في هذا الادعاء؟
 
تجيب رجاء العامري، «نعم، هناك قدر من الحقيقة. أنا أعمل بعناصر محددة للإثارة، لكني آمل في الوقت نفسه أن أتمكن من إثارة الجدل حولها وإخراج تلك القضايا إلى العلن. أريد إظهار المعايير المزدوجة في مجتمعنا.» 
 

سياسة النساء التقدميات

تاريخيًا، كانت تونس من الدول الرائدة في العالم العربي من ناحية الحقوق القانونية للمرأة. في العام 1956 أعاد الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة النظر في قانون الأسرة التونسي. وغداة النضال للتحرر من الاستعمار الفرنسي، لم تُمنح المرأة التونسية حق التصويت وحسب، بل حصلت على مدخل على التعليم وعلى سوق العمل، ومُنحت الحق في طلب الطلاق وامتلاك ثروة خاصة. بحلول العام 1962، تم تقنين الإجهاض المجاني في تونس - وتكون بذلك قد سبقت الدنمارك بعشر سنوات. 
 
إلا أن المعايير الأخلاقية تقف عائقًا في الطريق، وتمنع المرأة من الاستفادة من تلك الحقوق. وحسب رجاء العماري، فقد تعامل الدستور الجديد أخيرًا مع هذه القضية.
 
توضح رجاء العامري، «رغم أن القانون أعطى المرأة الحق في التصويت، وفي الإجهاض المجاني وطلب الطلاق، فقد بقي المجتمع متأخرًا عن ذلك. اجتماعيًا، ما زال من غير المقبول أن تقوم المرأة بتلك الأشياء. ويكمن الاختلاف الأساسي في حقيقة أن الدستور الجديد قد جرت مناقشته من قبل الشعب وهو نتاج لإرادة الشعب. كان هناك جدل واسع في تونس حول دور المرأة في المجتمع. بعض الفصائل الإسلامية أرادت أن يشتمل الدستور على جزء ينص على أن المرأة تابعة للرجل. فجأة، باتت المرأة تواجه إمكانية خسارة كل شيء ناضلت من أجله. رأت الحقوق التي تمتلكها فعلاً وكيف ستصبح حياتها إذا انتزعت منها تلك الحقوق. هذا الأمر ساعد على شحذ تفكيرنا الجماعي ورفعه ليتماشى مع الواقع.» 
 

الحجاب رمز معقد

 
يصور فيلم «أسرار مدفونة» الصدام بين التقاليد والحداثة الذي تعاني منه حاليًا العديد من الدول الإسلامية كل واحدة بطريقتها الخاصة. النساء القاطنات في القبو يغطين أجسادهن ورؤوسهن بملابس وأوشحة بشعة، في حين ترتدي الشابة التي انتقلت إلى الطابق العلوي من المنزل ملابس غربية، تظهر بشرتها وتتباهى بشعرها الطويل المنسدل على كتفيها. ومع أنه يمكن النظر إلى الاختلاف ما بين الحداثة والتقاليد وفق المنظور الغربي على أنه مجرد مسألة ارتداء حجاب أو عدم ارتداءه، فإن الواقع، من وجهة نظر رجاء العامري، أكثر تعقيدًا بكثير.
 
مثل العديد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تشهد تونس حاليًا طفرة في عدد النساء اللواتي اخترن أن يتحجبن. هذا التوجه انطلق بشكل خاص بعد 11 سبتمبر 2001 وتعزز بانتشار البث التليفزيوني عبر الأقمار الصناعية من دول الخليج. بالنسبة لرجاء العامري، النظر إلى اختيار المرأة ارتداء الحجاب على أنه علامة على التطرف يبالغ في تبسيط الأمور. بالنسبة لها، للاختيار علاقة بالأزياء والرغبة في تحديد الموقف الثقافي للفرد.
 
تقول رجاء العامري، «نعم هناك توجه محافظ في الأجواء، لكن العديد من الفتيات اللواتي يرتدين الحجاب لسن بالضرورة متدينات. على العكس من ذلك - إنهن تقدميات للغاية، يردن العمل، ويردن أن يكون لهن مهنة، ويقفن إلى يسار الطيف السياسي. هذه المجموعة تحديدًا هي التي صوتت ضد الإسلاميين والتي صوتت للقانون التقدمي الجديد الخاص بالمساواة والتكافؤ (منذ العام 2011، والأحزاب السياسية التونسية تعمل على أن تدفع إلى الواجهة أعدادًا متساوية من المرشحين والمرشحات السياسيين.) الأمر معقد للغاية.» 
 

الحركة النسائية جزء من الكفاح العام من أجل الحرية

عند النظر إلى هذه القضية، تجدر بنا الإشارة إلى أنه خلال الفترة ما بين 1981 وثورة 2011 مُنعت النساء من ارتداء الحجاب في المؤسسات العامة. كان ذلك هو تعريف الرئيس السابق زين العابدين بن علي للحرية. ويمكن النظر إلى اعتماد اختيار الحجاب مجددًا على أنه كفاح المرأة التونسية العصرية الخاص من أجل الحرية والنأي بنفسها عن مرسوم الديكتاتور السابق - وهو كفاح تشير إليه رجاء العامري على أنه كان يسير جنبًا إلى جنب مع الكفاح الوطني من أجل الحرية. وقد وُلدت الحركة النسائية التونسية في الوقت نفسه مع كفاح تونس للتحرر من الاستعمار الفرنسي في خمسينيات القرن العشرين، وبقيت جزءاً من الحوار الثقافي منذ ذلك الحين.
 
في الغرب، نحن نميل إلى الاعتقاد بأننا من اخترع الحركة النسائية.
 
- نعم تلك بالضبط هي وجهة نظري...، قالت رجاء العامري ضاحكة قبل أن تهرع مسرعة للحاق بارتباطها التالي. فيلمها الجديد «ربيع تونس» (Printemps Tunisien ) الذي يتحدث عن ثورة الياسمين أطلق في مختلف أنحاء العالم، ويواكب هذه الخطوة عملا بدوام كامل.