يمكن لتزايد الوعي بحقوق المرأة وتناقص التسامح تجاه العنف أن يفسر النتائج المفاجئة لتقرير أوروبي جديد حول العنف ضد المرأة. يبين التقرير الذي أعدته وكالة الاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان الأساسية، أن النساء في الدنمرك هن أكثر النساء تأثرًا بالعنف في أوروبا. فهل يدحض التقرير أسطورة أن هناك مساواة تامة في الدنمرك؟

صندوق الحقائق

رابط للتقرير 

أرقام رئيسية:
 
  • تمت مقابلة ما مجموعه 42ألف امرأة– 1500 منهن في الدنمرك.
  • واحدة من كل ثلاث نساء قالت أنها كانت ضحية سوء معاملة بدنية و/ أو جنسية في مرحلة ما من حياتها.
  • 8% قلن أنهن تعرضن لاعتداء جنسي من قبل شريكهن، أو شريكهن السابق، أو طرف ثالث خلال العام الماضي، و5% تعرضن للاغتصاب.
  • 12% من النساء الدنمركيات من سن 17 حتى 77 سنة تعرضن لاعتداء بدني أو جنسي من قبل شريكهن في مرحلة ما، مقارنة بالمعدل الأوروبي البالغ 8%.
  • أبلغت واحدة من كل امرأتين دنمركيتين بأنها تعرضت لسوء المعاملة أو الاعتداء من قبل شريكها، أو شريكها السابق، أو طرف ثالث في مرحلة ما من حياتها، مقارنة بواحدة من كل ثلاث نساء في الاتحاد الأوروبي بشكل عام.
  • 4% من النساء الدنمركيات أبلغن عن تعرضهن لسوء المعاملة من قبل شريكهن خلال العام الماضي مقارنة بنسبة 3% في الاتحاد الأوروبي بشكل عام.  
 
 هذا هو أول استطلاع في التاريخ يتعلق بالعنف ضد المرأة يشمل جميع دول الاتحاد الأوروبي الثمانية والعشرين. وبناءً على توصيفاتٍ للعنفالذي عانت منه 42ألف امرأة أوروبية، فهذه هي الدراسة الوحيدة التي تسعى إلى توفير صورة شاملة لتجربة النساء الأوروبيات مع العنف– سواء منه البدني أو النفسي أوالجنسي أو غير الجنسي– المرتكب من قبل شريك، أو شريك سابق، أو أي شخص آخر. 
 
النتائج صادمةٌحقًا. واحدة من كل ثلاث نساء تتراوح أعمارهن ما بين 17 و77 سنة كن ضحايا أحد أنواع العنف في مرحلة ما من حياتهن. بعبارة أخرى، تعرض ثلث النساء الأوروبيات في مرحلة ما من حياتهن للطعن أو إطلاق الرصاص، أو للاغتصاب، أو الضرب، أو لمحاولة الخنق، أو لجرهن من شعرهن، أو صفعهن، أو دفعهن بقوة. إذا استثنينا آخر شكلين من أشكال العنف، فإن النسبة المئوية تكون أصغر؛ إلا أنها ما زالت تصل إلى 25% من النساء في أوروبا. حوالي 17.7 مليون امرأة، وهي نسبة تقل قليلاً عن واحدة من كل عشر نساء، كن ضحايا للعنف خلال الاثنا عشر شهرًا الماضية– كانت حصة الاعتداءات الجنسية منها 3,6 مليون اعتداء.  
 
لكن من بين جميع النتائج التي أظهرها الاستطلاع، كانت النتيجة التي حركت أكبر قدر من المشاعر هي حقيقة أن الدول التي تصدرت القائمة المزعجة لوكالة الاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان الأساسية (EU Agency for Fundamental Human Rights) لم تكن الدول التي توقع أي إنسانٍرؤيتها هناك. الدول التي أبلغت عن أعلى نسبة من العنف ضد المرأة هي دول الاتحاد الأوروبي الشمالية الثلاث، وفي مقدمتها الدنمرك. حيث ذكر أن ما يصل إلى 52% من النساء الدنمركيات تحدثن عن تعرضهن لسوء المعاملة من قبل شريكهن، أو شريكهن السابق، أو من قبل طرف ثالث في مرحلة ما من حياتهن–وهو سجل لم تصل إليه أية دولة من دول الاتحاد الأوروبي الثمانية والعشرين.
 
وقد بينت المديرة الدنمركية للوكالة الأوروبية، مورتن جايروم (Morten Kjærum)، خلال تقديم التقرير في بروكسل، أن "الدراسة تظهر أن العنف ما زال مشكلة في دول الاتحاد الأوروبي. الصورة التي انكشفت هي صورة عنف واسع النطاق يدمر حياة العديد من النساء، وهو مستمر بشكل منهجي دون التبليغ عنه."
 
 

الدراسات الدنمركية تشير إلى تناقص العنف ذي الصلة بالنوع الاجتماعي

كانت النتائج الدنمركية التي بينها الاستطلاع الأوروبي مفاجئة بالنسبة لكبيرة الباحثين والطبيبة المختصة كارين هيلويج- لارسن(Karin Helweg-Larsen).هي التي جمعت أحدث الاستطلاعات الوطنية الدنمركية المتعلقة بالعنف القائم على اختلاف النوع الاجتماعي في 2012. يركز هذا التقرير، وعنوانه "العنف في العلاقات الوثيقة" (Violence in Close Relationships)، بشكل أساسي على العنف المنزلي بين الشركاء خلال فترة عام واحد. كانت نتائج التقرير، التي اعتمدت على ما تم التوصل إليه من "مقابلات استطلاع الصحة الوطنية الدنمركية" (Danish National Health Interview Survey)، تشير إلى أن 1.3% من النساء الدنمركيات اللواتي تتراوح أعمارهن ما بين 16 و77 سنة قد أبلغن عن إساءات عنيفة تعرضن لها خلال تلك السنة. وهذا يقل كثيرًا عما توصلت إليه دراسة الاتحاد الأوروبي، التي قالت بناءً على مقابلات مع 2000 امرأة دنمركية أن 4% منهن كن ضحايا شكل من أشكال العنف.
 
تعبر كارين هيلويج- لارسن عن شكها بحقيقة أن واحدة من كل امرأتين في الدنمرك قد تعرضت لعنف بدني أو إساءة جنسية في مرحلة ما من حياتها وأن يكون لهذا الأمر معنى بالنسبة لحجم سوء المعاملة في الدنمرك مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي الأخرى.
 
تقول كارين هيلويج- لارسن، "إن جميع الدراسات الدنمركية تبين أن أعدادًا متناقصة من النساء كن ضحايا للعنف في الدنمرك، على الأقل بفضل خطة العمل المطبقة والجاري العمل بها منذ بداية القرن الحاديوالعشرين والتي تهدف إلى مكافحة سوء المعاملة في العلاقات الشخصية الوثيقة. وبالإشارة إلى مستويات العنف خلال السنوات العشر الماضية أكثر دقة بكثير؛ فإن هناك قدر أكبر بكثير من عدم اليقين فيما يتعلق بصحة الإجابات حين يكون السؤال المطروح حول ما إذا كانت المرأة قد تعرضت للعنف في مرحلة ما من حياتها أم لا. ومع أن استطلاع الاتحاد الأوروبي يسأل عن أشكال محددة من العنف البدني، مثل اللكم، والركل، والدفع، فإن تلك التعريفات أو التفسيرات تطورت بمرور الوقت؛ وتبعًا لذلك، سيكون للشابات من النساء وجهة نظر مختلفة عما يشكل عنفًا مقارنة بالنساء الأكبر سنًا. ولن يكون تعريف العنف بالنسبة للمرأة الدنمركية مماثلاً لتعريفه بالنسبة المرأة الكرواتية، التي عاشت في بلد ابتلي بالحرب. وما يمكن للمرأة الدنمركية أن تعتبره سوء معاملة قد تنظر إليه امرأة أخرى على أنه جزء من الحياة اليومية."
 
وتشير بيانكا تابيا (Bianca Tapia)، الناطقة باسم وكالة الاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان الأساسية، إلى أن الدراسة التي أجراها الاتحاد الأوروبي قد سألت النساء عن الطريقة التي تعرضن بها لأشكال محددة من سوء المعاملة: مثل ضرب رؤوسهن بالحائط، أو مهاجمتهن بأسلحة نارية، أو تعرضهن للصفع. 
 
 

مستويات عالية من المساواة = مستويات عالية من سوء المعاملة

تقول بلانكا تابيا (Blanca Tapia)، "الشيء نفسه ينطبق على التحرش الجنسي، وهو أمر تعرضت له 20% من النساء خلال العام الماضي. سألنا المستطلعات إن كن قد تعرضن للملامسة أو أجبرن على ممارسة الجنس. وقد عملنا تحديدًا على تجنب النتائج التي قد يحرفها الاختلاف بين الثقافات." 
 
إلا أنها لم تستبعد تمامًا أن تؤثر الاختلافات الوطنية على نتائج استطلاع الاتحاد الأوروبي.
 
وتضيف بلانكا تابيا (Blanca Tapia) "كان من المفاجئ أن نشاهد رابطًا قويًا بين حجم العنف ومستوى المساواة. فكلما ارتفع التصنيف على مؤشر مساواة النوع الاجتماعي لدى المعهد الأوروبي للمساواة بين الجنسين (European Institute for Gender Equality)، ازدادت المستويات المبلغ عنها من العنف القائم على اختلاف النوع الاجتماعي. أحد الأسباب التي يمكن أن يُعزى إليهاذلك الأمر هو أن تحدّث المرأة صراحة عن كونها ضحية للعنف يبدو مقبولاً أكثر في الدول التي تتمتع بمستويات أعلى من المساواة بين الجنسين. ثمة عوامل أخرى قد تلعب دورًا. مثال ذلك، الدول التي لديها مستويات أعلى من تعاطي الكحول سيكون لديها أيضًا مستويات أعلى من العنف القائم على اختلاف النوع الاجتماعي. والدول التي لديها مستويات إجمالية أعلى من العنف ستسجل أيضًا عددًا من حوادث العنف ضد المرأة أكبر مما في الدول الأخرى."
 
كما أشارت إلى أن المستويات الأعلى من المساواة تؤثر أيضًا على مستويات التحرش الجنسي.
 
وتشرح الناطقة باسم وكالة الاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان الأساسية الأمر قائلة، "من الواضح أن هناك عددًا أكبر بكثير من التحرشات الجنسية في الدول التي لديها مستوى أعلى من مساواة النوع الاجتماعي ومستويات أعلى من مساهمة الإناث في سوق العمل،السبب ببساطة هو أن هناك اتصال بزملاء العمل الذكورأكبر مما لو بقيت المرأة في البيت. لكننا اكتشفنا أيضًا أن التحرش الجنسي منتشر بشكل خاص بين النساء اللواتي يشغلن مناصب عالية. هنا أيضًا نرى أن هناك رابط ما بين سوء المعاملة والمساواة. وفي هذا إشارة إلى رد فعل الرجال على منافسة النساء لهم بأن يتحرشوا بهن جنسيًا." 
 
ترى أولا تورنيماند (Ulla Tornemand)، نائبة رئيسة "الجمعية الدنمركية للمرأة" (Dansk Kvindesamfund) أن النتائج الدنمركية في استطلاع الاتحاد الأوروبي فتحت الأعينعلى أمور مهمة في حقيقة الأمر.
 
 
 

تحدي السرد المحيط بالمساواة الدنمركية

تضيف أولا تورنيماند (Ulla Tornemand)، "ربما كان في استطلاع الاتحاد الأوروبي بعض القضايا الصحيحة، كما أشار بعض النقاد الدنمركيين. ومع ذلك يعتمد الاستطلاع على شهادات من نساء دنمركيات تحدثن عن تجاربهن الخاصة. وأعتقد أنه مما يدعو للقلق أن هناك الكثيرين ممن يحاولون ببساطة رفض التقرير. الاستطلاع الأوروبي يتحدى الحديث المتداول في الدنمرك بأن لدينا مساواة كاملة في النوع الاجتماعي وأن ليس هناك ما يدعو للانتقاد. بينما يبين مشروع "التحيز الجنسي اليومي" (Everyday Sexism) الخاص بنا، والذي يركز على كشف التحيز الجنسي في الحياة اليومية، أن هذا الأمر منتشر في الواقع أكثر مما نتصور.  كما أنها قضية يصعب التحدث عنها بسبب المقولة الدارجة "بالطبع لدينا مساواة في الدنمرك، لذلك كفوا عن العويلوانظروا إلى حال النساء في المملكة العربية السعودية". لكن فيما يتعلق بالجمعية الدنمركية للمرأة ‘هل تجرؤ على التحدث عن هذه القضية؟’ مشروع المدارس الخاص بالطلاب من سن 11 إلى 15 سنة، الذي دأبت المدارس على الاتصال بنا من أجله، وتريد منا الذهاب إليها للتحدث إلى الطلاب عن العنف المنزلي. في كل صف تقريبًا، توجد طالبة تتعرض بشكل منتظم للعنف في منزلها."
 
يبيّن استطلاع للبارومتر الأوروبي (Eurobarometer) في نوفمبر 2013 أن العنف ضد النساء يقع في مرتبة متدنية للغاية في قائمة قضايا المساواة المهمة في الدنمرك. حيث اعتقد 23% فقط من الدنمركيين بأن العنف يشكل القضية الأكثر إلحاحًا للمساواة. في حين بلغت النسبة الإجمالية 34% في الاتحاد الأوروبي وكانت 49% في أسبانيا بشكل خاص.
 
تقول أولا تورنيماند، "نحن ببساطة لا نريد أن نسمع بأن لدينا مشاكل سوء معاملة وعنف في الدنمرك. على الرغم من حقيقة أننا في عيد الميلاد الماضي لم تعد لدينا أماكن لإيواء النساء بسبب الطفرة في الخلافات المنزلية العنيفة. هذه القصص لا تجد لها طريقًا إلى وسائل الإعلام. وبالطريقة نفسها، يتعين على الفتيات تحمل ملامسة الفتيان لهن في المدرسة واعتبار تلك الأعمال ‘مجرد عبث’. على الرغم من أن لدينا خطط عمل جيدة لمعالجة العنف ضد المرأة، فإن الدراسة الأوروبية تأكيد على أننا أصبحنا أسرى إيماننا الأعمى بأن قضية المساواة قد حلت مرة وإلى الأبد."  

 

"ما مدى صعوبة الأمر؟"

وهذا توجه تشاركنا فيه جماعة الضغط النسائية الأوروبية (European Women’s Lobby) في بروكسل.
 
تقول بيريت بيب، القائمة بأعمال المنسق في جماعة الضغط النسائية الأوروبية، "إنه لأمر إيجابي للغاية أن يجري الاتحاد الأوروبي دراسة شاملة تغطي جميع الدول الأعضاء. وهذا يبعث بإشارة قوية بأنه ينبغي علينا أن نعمل بفاعلية أكبر، على الأقل بسبب تعرضنا لردة فعل تجاه المساواة في أوروبا في هذه الوقت. وهو أمر نشهده من الضغوط على حرية الإجهاض، ونشهده أيضًا في التوجه نحو مزيد من العنف– بما في ذلك العنف بسبب اختلاف النوع الاجتماعي– الذي يلجأ إليه الشبان. التقرير دعوة حقيقية للاستيقاظ."  
 
ردة فعل مماثلة صدرت عن أنتونيا بارفانوفا (AntonyiaParvanova)، منسقة لجنة البرلمان الأوروبي لحقوق المرأة.
 
تقول أنتونيا بارفانوفا، "يبرز هذا التقرير حاجة الاتحاد الأوروبي إلى الانخراط في محاربة العنف المتعلق باختلاف النوع الاجتماعي. وما زلنا في انتظار تسلم خطة عمل مكافحة العنف ضد المرأة، ولا يسعني إلا أن أتفق مع توصيات التقرير بأن يصادق الاتحاد الأوروبي على "اتفاقية اسطنبول" (Istanbul Convention) التي تبناها الاتحاد الأوروبي في 2011. والتي لم تصادق عليها سوى ثلاث دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي." وتضيف متسائلة، "ما مدى صعوبة ذلك؟"