تدمج الفنانة السورية سلافة حجازي براءة الطفولة برموز من زخارف الحرب المدمرة. حين يبدأ الناس بتمجيد الموت ويبدؤون النظر إلى الولادة على أنها شيء تافه، فإن الدورة الطبيعية للحياة والموت تصبح دوامة عبثية خاوية من أي معنى. في الحرب تسيطر وجهة نظر أحد الجنسين فقط: وجهة النظر الذكورية.

صندوق الحقائق

سلافة حجازي

"عانيت من مشاعر متضاربة خلال الثورة- خليط من الخوف، والشجاعة، والأمل، والألم، والذنب، والضعف، والعزلة. خلال العامين الماضيين حين بقيت في سوريا، كان الرسم الأداة الوحيدة التي أستطيع استخدامها لمشاطرة هؤلاء الناس تلك المشاعر داخل وخارج البلد، من خلال شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت."
 
مقتطف من مساهمة سلافة حجازي لمختارات في ‘سوريا تتكلم’.
 
حرر المختارات كل من مالو هلسه، وزاهر عمرين، ونوارة محفوض. سوريا تتكلم متاح للشراء في الدنمرك من دار منشورات كوريدور: korridor.nu
 
من ضمن المنظمات العديدة التي وفرت دعما للنشر "المركز الدنمركي للثقافة والتنمية": cku.dk
 
اقرأ المزيد عن سلافة حجازي على: sulafahijazi.com
 
شاهد فن سلافة حجازي على موقع ‘تومبلر’ الخاص بها: sulafa-hijazi.tumblr.com
 
 
صورة ترسم طفلا لم يولد بعد تلفه بندقية رشاشة، وكأن السلاح هو الرحم الذي يحتضن الطفل. وصورة أخرى تظهر رجلا في حالة مخاض مستلقيا على ظهره وهو يلد بندقية. 
 
تلك هي تعليقات الفنانة السورية سلافة حجازي على العنف الذي الحق بوطنها الخراب. ورغم أنها تعيش الآن لاجئة في ألمانيا، فقد نشأت في ظل نظام الأسد. خلال تلك الفترة، كان عليها، مثل جميع الأطفال، أن ترتدي زيا عسكريا في المدرسة وأن تتعلم إطلاق النار في حالة ما إذا هاجم البلد عدو. وكونها نشأت في مثل تلك الظروف، فإن العنف ولغة الحرب لا تزال راسخة داخلها حتى اليوم. 
 
تقول سلافة حجازي، "كانت الديكتاتورية السورية نظامًا عسكريًا اشتراكيًا حيث يكون المرء مجرد واحد ضمن الجماهير وكان من المستحيل أن تكون فردا. كنا مقيدين بالنظام والمحرمات الاجتماعية بحيث أصبحت طريقة تفكيرنا عسكرية، مشروطة بفهم النظام. الثورة مكنتني أن أثأر لطفولتي العسكرية التي فرضها النظام. وفي الوقت نفسه، أردت أن أبين ما يلحقه العنف والحرب لمن لا يزالون أطفالا في الصراع الحالي." 
 
سلافة حجازي موجودة الآن في الدنمرك لنشر كتاب "سوريا تتكلم"، ويضم مختارات تجمع روايات مباشرة من أكثر من 50 فنانا سوريا عن الصراع المسلح الجاري والمحتدم منذ العام 2011. مساهمة سلافة حجازي، وهي بعنوان "مستمرة"، تشتمل على عدد من الأعمال الفنية، يحيط بها جميعًا نصًا يصف أفكارها كفنانة في زمن الحرب. 
 
ليست الحرب فقط "عملية مستمرة"- بل أيضا دائرة العنف المستمرة ونهجها الخاص لإيجاد شتات هوية تجمع بين طفولة تعلمت فيها كيف تفكر وفق شروط قواعد النظام، وصدمات الحرب وحريتها التي عثرت عليها حديثًا. 
 

الثورة- والحافز الفني

عملت سلافة حجازي، قبل الثورة في سوريا، في مجال الرسوم المتحركة. وأنتجت أفلام صور متحركة للأطفال تعلمهم عن العالم والمجتمع من خلال لغة شعرية. ويبدو الانتقال من عالم أفلام الأطفال إلى الفن السياسي كقفزة هائلة، لكن بالنسبة لسلافة حجازي كانت الثورة حافزا لفنها.
 
كان عالم أفلام الكرتون للأطفال مجالاً آمنًا تستطيع من خلاله التعبير عن إبداعاتها؛ لكن مع انطلاقة الثورة، وجد الكثير من الفنانين أنفسهم قادرين على التعبير عما في أنفسهم بحرية. لغة الفن أصبحت جزءا من التعبير عن الثورة.
 
وتقول سلافة حجازي، "حين بدأت الثورة، اتسمت بطابع فني. كان الناس يرقصون ويعبرون عن أنفسهم في الشوارع، ورسموا شعارات.وكان الفن جزءا مكملا للتغيير الاجتماعي، جزء من الانتفاضة- أو ربما أن من الأصح القول أن الفن كان جزءا من لغة الحديث في ذلك الحين.الفن بحد ذاته، ليس وسيلة لتغيير شيء ما؛ إنه أداة تعبير. طريقة أفضل بكثير، صيغة من التعبير أسمى من العنف والحرب. أما الآن، فإن الإبداع لم يعد سمة الحياة اليومية في الشوارع. ربما كان ذلك نتيجة لحقيقة أن الغالبية العظمى من المثقفين والفنانين اضطروا للفرار من البلد بسبب اضطهاد النظام." 
 

دورة الحياة والموت

ما زال لبراءة الطفولة الأولوية في فن سلافة حجازي. إلا أن تلك البراءة وضعت الآن، جنبا إلى جنب مقابل خلفية من الأسلحة والدبابات- أدوات التدمير في الحروب. الصلة بين الحياة والموت موضوع متكرر في أعمال سلافة حجازي. الموت جزء لا يمكن تجنبه من الحياة وهو جزء من دورة الطبيعة، لكن الموت العنيف والقتل ليس كذلك. أو على الأقل يجب ألا يكون كذلك. خلال النزاعات المسلحة تغيرت حدود ما هو طبيعي، وأصبح القتل والجريمة أحداثا يومية.
 
وتضيف سلافة حجازي، "أصبح الموت فجأة حقيقة في سوريا. أصبح مألوفًا، حدثًا عاديًا، شيء يحدث. الموت بالطبع جزء من الحياة، لكن الموت نتيجة العنف أو القتل يجب ألا يصبح شيئا ينتهي بنا المطاف إلى تقبله على أنه أمر عادي. حيث أنه حين نبدأ بقبول الموت على أنه شيء طبيعي في سوريا، فإننا نبدأ في قبول الجريمة على أنها شيء طبيعي- لتصبح مجرد جزء آخر من الحياة اليومية. مجمل الحديث المحيط بالموت تغير خلال الثورة. فجأة، ظهر شعار (نحن نفضل الموت على امتهان كرامتنا). ما رفع الموت إلى مستوى جدير بالاحترام والتبجيل."
 
تتعمد سلافة حجازي ألا تشير إلى الصراع في سوريا على أنه "حرب أهلية"، رغم حقيقة أن هذا هو التعبير المستخدم في وسائل الإعلام الدولية. بالنسبة لها، ما يدور ثورة. إنه حق الشعب في الحرية- صراع كانت تتمنى أن يتخذ شكلاً آخر، رغم أن العنف، من وجهة نظرها، كان على الدوام عنصرا كامنا في المجتمع السوري ولا يحتاج إلا لحدث ما كي ينفجر.
 
"ما يحدث الآن هو نتيجة 40 عامًا من القمع سبقت الثورة. كيف نتوقع من أناس عاشوا دون أن يتمكنوا من التعبير عن أنفسهم بحرية طوال 40 عامًا من أن يعتنقوا فجأة ديمقراطية سلمية؟ ربما اختلف الوضع لو أن التطور حدث بالتدريج، لكن كان يتم إكراهنا بالعنف، وكنا نتعرض للتعذيب والاغتصاب. العنف يولد العنف." كما توضح سلافة حجازي، التي تقول أن السبب في خروج النساء إلى الشوارع لم يكن مجرد إسقاط النظام بل وضع حد للنظام الأبوي القائم على الدين والذي يقيد جوانب حياتهن كافة.
 
في الأيام الأولى المليئة بالأمل من حياة الثورة، كانت الرغبة في الحرية الشخصية-بالنسبة للكثيرات من النساء- ترتبط ارتباطا وثيقا بالرغبة في التخلص من القناعات المتعلقة بالنوع الاجتماعي. وفي التطرف الموجود في النزاع الحالي شواهد كثيرة على حقيقة أن هذا الأمر فشل في أن يتحقق. 
 

البندقية كعضو ذكري

أصبح التباين ما بين الحياة والموت تباينا أيضا ما بين الأنوثة والذكورة- الولادة مقابل القتل. خلال الثورة، شهدت سلافة حجازي تعمق التطرف في مواقف الجنسين. حيث مجدت القوة الذكورية واللجوء إلى السلاح، على الرغم من الارتباط الوثيق لذلك الأمر بالقتل والاغتصاب- وهي أعمال قد تكون مرفوضة تماما في مجتمع يعيش بسلام.
 
"الحرب ذكورية. ولا تخاض إلا من أجل السلطة والهيمنة، وهي أمور تمتدح بوصفها فضائل ذكورية.خلال فترة المظاهرات السلمية في 2011 كنت تستطيع أن ترى أناسًا، خاصة مؤيدي الحكومة، ينشرون صورًا على الفيسبوك تظهر عضلاتهم ووشومهم وبزاتهم العسكرية. وحين ننظر إلى صور قوات المقاومة اليوم، نرى أنهم هم أيضا بدؤوا في تبني النوع نفسه من المواقف الاستعراضية، بحمل أسلحتهم بطريقة معينة. ويمكننا أن نرى الصورة نفسها التي تعرض الرجال وأسلحتهم حتى في أفلام هوليوود، وكأنهم يستعرضون أعضائهم الذكرية. ويبدو أننا نمجد هذه الصورة للرجل كمحارب، لكن ثمة سؤال جيد نطرحه: أليس من الأفضل الانخراط في حوار؟" تتساءل سلافة حجازي.
 
تعزز تشبيه البندقية الرشاشة بقضيب الرجل لدى سلافة حجازي في صورة جندي يستمني قضيبه- الذي رسم على شكل بندقية صوبت فوهتها إلى رأسه. وهي صورة تعمل حاليا على تحويلها إلى فيلم رسوم متحركة، فما النتيجة التي سيصل إليها ذلك الجندي حين يصل مرحلة القذف؟ تتشابك جوانب النشوة، والألم، والموت، وتدمير الذات لا لتعطي صورة غريبة عن فرط ذكورية الحرب وحسب، بل أيضا عن سخفها وخلوها من أي معنى.
 
تعطينا الولادة رواية بديلة عن الألم. الألم في الولادة هو حياة وعطاء؛ هما رمز لجميع المظاهر الأنثوية التي تهمشها الحرب. وهذا بالتحديد التناقض الذي يقنع سلافة حجازي بأنه لو كانت السلطة للنساء لما كانت هناك حروب.
 
وتضيف سلافة حجازي، "الولادة ترتبط بالألم؛ والحرب ترتبط بالألم. واحدة تعطي الحياة لروح؛ والأخرى تجتث الروح. حين تأتي امرأة بروح إلى هذا العالم، فإنها تدرك كم هي الحياة ثمينة وغالية. اجتثاث تلك الروح مؤلم وقاس. ولهذا السبب كتبت في (سوريا تتكلم) بأنه لو كانت السلطة للنساء لما كانت هناك حروب.وهذا لا ينطبق على حالة سوريا وحسب. لأن ارتباط السلطة والهيمنة بالذكورة، وأن يكون الرجال هم من يمتلكون مدخلا على السلاح ولديهم القدرة على القتل، هي مشكلة عالمية." 
 

هوية الشتات

رغم حقيقة أن سلافة حجازي غادرت سوريا وانتقلت إلى فرانكفورت قبل 18 شهرا، فإن سوريا لم تغادرها. حيث تظهر الصورة الأخيرة التي نشرتها في "سوريا تتكلم" شخصاً يحاول أن يخرج رأسه من زنزانة من الخرسانة الرمادية، لكن وجه الرجل ما زال يحدق في الزنزانة من الناحية الأخرى. الهرب من سوريا ما زال عملية مستمرة.
 
تختتم سلافة حجازي حديثها قائلة: "على الرغم من أنني تركت سوريا، فما زال البلد يعيش في داخلي. إنه دائما معي، تماما مثل الشعور بالذنب لأنني غادرت في حين مازال هناك أناس يموتون. الآن أنا جزء من الشتات، في اللجوء. أتعلم ببطء كيف أتحمل مسؤولية نفسي بعد أن تحررت من الضغوط الاجتماعية، والسياسية، والدينية التي كانت تسيطر على عقلي. طريقة تفكيري اعتادت على أن تكون جزءًا من الوعي الجمعي. أشعر الآن أنها طريقتي الخاصة- وليست طريقة أي شخص آخر. أنا أكثر حرية، لكن العملية مازالت جارية."